وقد أظهرت الحرب الأخيرة التي اندلعت بين إيران والكيان الصهيوني واستمرّت اثني عشر يوماً، أنّ الصراع في هذه المنطقة لا يقتصر على الحسابات العسكرية والسياسية، بل يخلّف أثراً عميقاً ومركّباً على النظام البيئي، قد يكون أكثر فتكاً واستمرارية من آثار الحرب على الإنسان نفسه.
وقف إطلاق النار لا يعني نهاية الضرر: التلوّث البيئي باقٍ ويتمدد
خلال تلك الأيام القليلة، تضرّرت مئات المواقع الصناعية والعسكرية والسكنية نتيجة القصف المتبادل، ما أدّى إلى نشوب حرائق ضخمة في المنشآت النفطية والمصانع، وانبعاث كميات هائلة من السموم والملوّثات في الجو، منها جسيمات دقيقة وغازات سامة ومواد كيميائية ثقيلة يصعب تفكيكها.
وتُعتبر المناطق الجنوبية من إيران، التي تعرّضت لضربات صاروخية وهجمات بطائرات مسيّرة، من أغنى المناطق بالموارد الطبيعية، حيث تنتشر الأهوار والحقول الزراعية والمياه الجوفية. هذه الموارد، التي تُعدّ مصدراً لحياة آلاف العائلات، باتت اليوم مهدّدة بالتلوّث الكيميائي وتدمير النظم البيئية الدقيقة التي تعيش فيها.
في الجهة المقابلة، أدّت الغارات التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة إلى تدمير محطات معالجة المياه والصرف الصحي، وألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية البيئية. هذا لا يعني فقط حرمان السكان من الماء النظيف، بل يهدّد بانتشار الأمراض البيئية والبكتيرية، كما يعقّد بشكل كبير إمكانيات إعادة الإعمار البيئي.
من الخليج إلى الشام واليمن: سجل طويل من الكوارث البيئية الصامتة
الحرب ليست حدثاً معزولاً، بل تراكم تاريخي للكوارث البيئية في هذه المنطقة. وإذا استعرضنا الحروب الكبرى التي ضربت الشرق الأوسط خلال العقود الثلاثة الأخيرة، نجد أنّ لكل منها بصمة بيئية سوداء لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم:
· في حرب الخليج عام 1991، أدّى حرق أكثر من 700 بئر نفطية وتسريب ملايين البراميل إلى الخليج العربي إلى كارثة بيئية وصفت بأنّها "شتاء أسود"، استغرقت سنوات لمعالجة آثارها، وما زالت التربة والمياه في بعض المناطق متلوّثة حتى اليوم.
· في سوريا، أكثر من 35% من الغابات الشمالية احترقت خلال النزاع، واختفت منظومات بيئية بأكملها نتيجة القصف العشوائي والاشتباكات. التصحّر بات واقعا في مناطق كانت خضراء ذات يوم، والنظام البيئي فقد توازنه.
· في اليمن، شكّلت الغارات على منشآت المياه والصرف الصحي سبباً مباشراً لانتشار الكوليرا وأمراض الجهاز الهضمي والجلدي، حيث تكدّست النفايات وخلت شبكات المياه من المعالجة، في ظل حصار خانق وغياب المساعدات البيئية.
· وفي إيران اليوم، وبعد الحرب الأخيرة، تعرّضت مناطق واسعة في الغرب والجنوب لمخاطر بيئية حقيقية: تلوّث التربة، تدمير الغطاء النباتي، انخفاض معدلات التنوع البيولوجي، وتآكل الأراضي الزراعية. ورغم ذلك، لا نلاحظ حضوراً فاعلاً لأي آلية دولية لرصد أو مواجهة هذه الكوارث.
البيئة كعنصر استراتيجي في مستقبل السلام
من الواضح اليوم أنّ البيئة في الشرق الأوسط لم تعد مجرّد خلفية صامتة للصراعات، بل تحوّلت إلى "مؤشّر استراتيجي" يمكن عبره قراءة مدى استقرار الدول واستدامة المجتمعات.
ما نراه اليوم من حرائق وانفجارات قد ينعكس غداً على شكل أمراض سرطانية لدى الأطفال، تدهور زراعي واسع، ونزوح جماعي من المناطق المتضرّرة بسبب الجفاف أو التلوّث. وإذا لم يتم إدراج البعد البيئي في صلب السياسات الإقليمية، فإنّ ما تبقى من الشرق الأوسط سيتحوّل تدريجياً إلى مساحة غير قابلة للعيش.
الحرب الأخيرة، رغم قصر مدّتها، زرعت بذور أزمة بيئية قد تمتد لعقود. جراح لا تظهر في الإحصاءات العسكرية، ولا تلتقطها عدسات الإعلام، لكنها ستبقى محفورة في أجساد الأجيال القادمة، وفي تفاصيل حياتهم اليومية: في الماء الذي يشربونه، والهواء الذي يتنفسونه، والأرض التي يزرعونها.
نحو إدراج "الأمن البيئي" في قلب التفاهمات السياسية
في ظلّ هذه الوقائع، لم يعد بالإمكان تأجيل السؤال المصيري التالي:
أليس من الضروري أن يتحوّل "الأمن البيئي" إلى مكوّن رئيسي في الحوار السياسي الإقليمي، وفي استراتيجيات الأمن القومي؟
إنّ الطبيعة، بعكس الحدود السياسية، لا تفرّق بين الشعوب، ولا تعرف لغة الحرب. وإنّ الحلّ الوحيد لضمان استمرار الحياة في هذه الرقعة الجغرافية المعقّدة، هو السلام العادل والمستدام، الذي يضمن كرامة الإنسان وسلامة الأرض على حد سواء.