الأدبُ والشعرُ؛ لغةٌ قرّبت القلوبَ
لا توجدُ لغةٌ مشتركةٌ تُقرّبُ المشاعرَ والأحلامَ والقيمَ بينَ الشعوبِ كما يفعلُ الشعرُ. عندما دخلَ الإسلامُ إلى إيرانَ، أصبحتِ العربيةُ لغةَ الدينِ والعلمِ إلى جانبِ الفارسية، واستفادَ الشعراءُ الإيرانيونَ في العصورِ الإسلاميةِ الأولى من الأوزانِ والقوالبِ الشعريةِ العربيةِ كالقصيدةِ والغزلِ، ففتحوا آفاقًا جديدةً للأدبِ الفارسيِّ. وفي الوقتِ نفسهِ استلهمَ الشعراءُ العربُ من الأساطيرِ والقصصِ والرواياتِ الإيرانيةِ، فانعكسَ ذلكَ في أشعارِهم.
حافظُ الشيرازي بغزلياتهِ المليئةِ بالحبِّ والعرفانِ يحتلُّ مكانةً خاصةً في قلوبِ القرّاءِ العربِ، وقد تُرجمتْ العديدُ من أبياتِه إلى العربيةِ وكتبَ باحثونَ عربٌ دراساتٍ عن أسلوبِه وأفكارهِ. وسعدي، صاحبُ كتابَيْ كلستان وبوستان
، نثرُهُ البسيطُ والحكيمُ أثارَ إعجابَ الأدباءِ العربِ، ودخلتْ بعضُ حكاياتِه إلى الأدبِ العربيِّ. أمّا ذروةُ هذا التواصلِ فتتجلّى في أعمالِ مولانا جلالِ الدينِ البلخيِّ (الرومي)، إذْ تُرجمتْ أشعارُهُ إلى العربيةِ والتركيةِ وحتى اللغاتِ الغربيةِ، وتُقرأُ في دمشقَ وبغدادَ والقاهرةِ كما تُقرأُ في قونيةَ وطهرانَ.
وفي الجهةِ الأخرى، تركَ الشعراءُ العربُ أثرًا واضحًا على الثقافةِ الإيرانيةِ. فالمتنبي، شاعرُ العصرِ العباسيِّ الكبيرُ، ما زالَ معروفًا ومقدَّرًا في الأوساطِ الأدبيةِ الإيرانيةِ، وفي العصرِ الحديثِ حازتْ أشعارُ نزارِ قباني العاطفيةُ والاجتماعيةُ شعبيةً كبيرةً لدى الفرسِ، وتُرجمتْ أعمالُهُ على نطاقٍ واسعٍ.
حتّى الحكاياتُ والأساطيرُ المشتركةُ تدلُّ على هذا التشابكِ الثقافيِّ. فقصةُ ألفِ ليلةٍ وليلةٍ التي اشتهرتْ في العالمِ العربيِّ تعودُ بجذورِها إلى الأدبِ الفارسيِّ القديمِ مثل ألفِ أفسانه، ممّا يؤكّدُ أنّ الخيالَ والسردَ لا يعترفانِ بالحدودِ.
ولهذا ظلَّ الأدبُ، وخصوصًا الشعرُ، جسرًا حيًّا بينَ إيرانَ والعالمِ العربيِّ، وحتى اليومِ تستمرُّ الترجماتُ المتبادلةُ والتأثيراتُ المشتركةُ بينَ الشعراءِ المعاصرينَ.
الفنُّ والعمارةُ؛ جمالٌ لا يعرفُ حدوداً
لمعرفةِ هذا الرابطِ الثقافيِّ يكفي أن نتأمّلَ العمارةَ والفنونَ التقليديةَ والصناعاتِ اليدويةَ لدى الشعبينِ. فالمساجدُ والمبانيُ التاريخيةُ في إيرانَ والعالمِ العربيِّ تمثّلُ أوضحَ الأمثلةِ على هذا الجمالِ المشتركِ. مسجدُ الشيخِ لطفِ اللهِ في أصفهانَ بقاشانهِ اللازورديةِ وقبتهِ الفيروزيةِ يحملُ الروحَ نفسَها التي نجدُها في الجامعِ الأمويِّ بدمشقَ أو جامعِ الأزهرِ في القاهرةِ. الخطُّ الكوفيُّ، والزخارفُ الهندسيةُ، وفنُّ المقرنصاتِ كلُّها كانتْ ثمرةَ تبادلٍ فنيٍّ بينَ المهندسينَ الإيرانيينَ والعربِ.
وفي كلا الثقافتينِ، للخطِّ مكانةٌ خاصةٌ. فقد ابتكرَ الإيرانيونَ خطَّ النستعليقِ وأضافوا لمسةً جديدةً إلى فنِّ الخطِّ، بينما أبدعَ الفنانونَ العربُ في خطّي الثلثِ والنسخِ حتى بلغوا بهما القمةَ. ولا تزالُ هذه الأنماطُ تُستخدمُ جنبًا إلى جنبٍ، ومعارضُ الخطِّ في طهرانَ ودبي شاهدةٌ على هذا التعايشِ الفنيِّ.
أمّا الفنونُ اليدويةُ والصناعاتُ التقليديةُ، فقد بنتْ هي الأخرى جسورًا ثقافيةً. فالسجادُ الإيرانيُّ زيّنَ القصورَ العربيةَ، والصناعاتُ المعدنيةُ والخشبيةُ الدمشقيةُ والبغداديةُ كانتْ رائجةً في الأسواقِ الإيرانيةِ. كما ألهمَ فنُّ المنمنماتِ الإيرانيُّ المخطوطاتِ العربيةَ، بينما لاقتِ الفنونُ الزجاجيةُ والفخاريةُ العربيةُ رواجًا في إيرانَ.
هذا التلاقي الفنيُّ يؤكّدُ أن الجمالَ لغةٌ عالميةٌ لا تعرفُ الحدودَ، فالعينُ والروحُ تدركانه بمعاييرَ واحدةٍ.
الموسيقى والفكرُ؛ لغةُ الإحساسِ والتأملِ المشتركِ
لا شيء يُقرّبُ القلوبَ كما تفعلُ الموسيقى. ففي جنوبِ إيرانَ، ولا سيّما في بوشهرَ وعبادانَ والأهوازِ، تُعزفُ الموسيقى البحريةُ بإيقاعِ الطبولِ وأصواتِ القِربةِ وأناشيدَ مفعمةً بالحنينِ والحبِّ؛ وهي نفسُ الألحانِ والإيقاعاتِ التي نسمعُها في الكويتِ والبحرينِ وقطرَ وعُمانَ. والعودُ، رمزُ الموسيقى العربيةِ، لهُ مكانتُهُ أيضاً في إيرانَ، ويُعزفُ بجانبِ آلاتٍ فارسيةٍ مثل الناي والكمانجةِ، ليكوّنَ جسرًا موسيقيًّا بينَ الثقافتينِ.
وفي الفكرِ والفلسفةِ، كانَ هذا الرابطُ واضحًا منذُ القدمِ. ففي العصرِ الذهبيِّ للحضارةِ الإسلاميةِ، أسهمَ العلماءُ الإيرانيونَ والعربُ معاً في تأسيسِ قواعدِ العلمِ والفلسفةِ. ابنُ سينا والفارابيُّ والبيرونيُّ كتبوا مؤلفاتِهم بالعربيةِ، وتُدرَّسُ أفكارُهم في مدارسِ بغدادَ ودمشقَ، وفي المقابلِ نشرَ الفلاسفةُ والمتكلمونَ العربُ أفكارَهم في إيرانَ وأسهموا في تنشئةِ أجيالٍ جديدةٍ من المفكّرينَ.
وهكذا، سواءٌ في أنغامِ الموسيقى أو تأملاتِ الفلسفةِ، نجدُ روحًا مشتركةً تتجاوزُ الحدودَ وتبني رابطاً خالداً.
إرثٌ مشتركٌ نحوَ المستقبلِ
إيرانُ والعالمُ العربيُّ ليسا شعبينِ منفصلينِ، بل فرعانِ من شجرةٍ حضاريةٍ واحدةٍ. فالشعرُ والموسيقى والعمارةُ والفلسفةُ وحتى أسلوبُ الحياة، كلُّها شواهدُ على حقيقةٍ أن الثقافةَ قادرةٌ على تجاوزِ السياسةِ والخلافاتِ.
إنَّ مشروعَ جسرِ الثقافةِ في برنا عربي هو محاولةٌ لإحياءِ هذه الروابطِ وتذكيرِنا بأنَّنا لا نملكُ فقط ماضياً مشتركاً، بل نستطيعُ أن نصنعَ معاً مستقبلاً مشتركاً. فالثقافةُ هي اللغةُ التي تفهمُها القلوبُ قبلَ العقولِ.