تخيّل أنّه في كل ثانية، في آلاف البيوت والمكاتب والجامعات وحتى المقاهي، هناك من يطرح سؤالاً مشتركاً:
"جت جي بي تي، هل يمكنك مساعدتي؟"
من طالب يذاكر لامتحان صعب ويريد تلخيص الفصول، إلى رائد أعمال يبحث عن فكرة جديدة لمشروعه. من أمّ تريد تأليف قصة قصيرة لطفلها، إلى طبيب يبحث عن أحدث الدراسات العلمية. جميعهم، في نفس اللحظة، ومن كل أنحاء العالم، يتواصلون مع هذا الذكاء الاصطناعي.
وهذا الحوار يتكرّر يومياً 2.5 مليار مرة!
رقم يصعب تصديقه. يعني في كل دقيقة، مئات الآلاف من الأسئلة والطلبات والأفكار تنهال على هذا العقل الرقمي، وهو يجيب بهدوء، بلا تعب، بلا ملل، بلا حكم.
الأسئلة التي يطرحها الناس على جت جي بي تي لا تنتهي، فهي تعكس كل ما يدور في عقول البشر وتتنوع بشكل مذهل. هناك من يلجأ إليه ليحصل على معلومة سريعة ودقيقة؛ كطالب يسأل عن أعراض دواء، أو قارئ يريد تبسيط مفهوم فلسفي معقد، أو باحث يحتاج إلى مقارنة بين فكرتين قديمتين. وآخرون يبحثون عن لمسة من الإبداع، فيطلبون منه اقتراح اسم لمقهى جديد، أو كتابة قصة قصيرة مرعبة، أو صياغة نص رومانسي يُدهش الحبيب. وهناك أيضاً من يتعامل معه كطريق مختصر لإنجاز المهام اليومية، فيطلب منه كتابة سيرة ذاتية، أو صياغة عرض عمل، أو حتى إعداد خطاب قانوني. وبعضهم لا يريد شيئاً عملياً على الإطلاق، بل يكلّمه كصديق افتراضي، يفضفض له دون خوف من حُكم أو انتقاد.

كل هذه الإجابات التي تظهر في ثوانٍ معدودة، وراءها عملية معقّدة لا يراها أحد. عندما تكتب سؤالك، يحوّل الذكاء الاصطناعي كلماتك إلى رموز ومعانٍ يفهمها الحاسوب، ثم يفتح ذاكرته الهائلة التي تضم مئات المليارات من الكلمات المأخوذة من الكتب والمقالات والمحادثات. بعد ذلك يبدأ بالبحث داخله عن الخيوط الأقرب لما تريده. لكنه لا يختار الإجابة من مكان محفوظ، بل يتنبأ كلمةً كلمة بما يجب أن يأتي بعدها، تماماً كما تكمل في ذهنك أغنية مألوفة دون تفكير. وخلال تلك اللحظات القليلة، آلاف المعالجات تعمل معاً في خوادم ضخمة داخل مراكز بيانات عملاقة، لتقدّم لك رداً يبدو طبيعياً وكأن شخصاً حقيقياً كتبه لك. الأمر يشبه شخصاً يقلب آلاف المكتبات في لحظة واحدة ليقدّم لك خلاصة واضحة وجاهزة.

هذا الاستخدام اليومي يحمل رسالة واضحة: الذكاء الاصطناعي لم يعد شيئاً مستقبلياً بعيداً، بل صار جزءاً من واقعنا. صار أداة يعتمد عليها الطلاب والكتّاب والباحثون والشركات وحتى الأفراد العاديون لإنجاز مهامهم بشكل أسرع وأسهل. لكنه في الوقت نفسه يثير أسئلة كبيرة: هل سيجعلنا أقل تفكيراً واعتماداً على أنفسنا؟ ما مصير الوظائف التي قد يستبدلها؟ وهل يمكن دائماً الوثوق بما يقوله؟
ورغم هذه المخاوف، فإن الحقيقة الواضحة هي أن هذه التكنولوجيا جاءت لتبقى. كما غيّر الإنترنت حياتنا قبل عقود، اليوم تشات جي بي تي وأمثاله يعيدون رسم العالم من جديد، خطوةً خطوة، وإجابةً بعد إجابة.

يعني كل فكرة نفكر بها، كل سؤال يشغلنا، كل حلم أو هاجس نملكه، هناك آلاف الأشخاص حول العالم يسألون نفس الشيء في نفس اللحظة. وربما هذه مجرد البداية؛ بداية قصة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي ليس فقط مجيباً، بل جزءاً من ذاكرتنا وهويتنا.
