كان الهواء الحار الثقيل في طهران بشهر تموز 1404 يكتم الأنفاس. ومع أن الشمس لم تغرب بعد، فقد احتضن الصيف الأرض والسماء بحرارةٍ مرهقةٍ ولاهبة. غير أن حرارة القطعة ٤٢ من بهشت زهراء، حيث مرقد شهداء الحرب الصهيونية الأخيرة، كانت تحمل معنى آخر. لم تكن تلك الأرض الطاهرة مجرّد مقبرة، بل قطعة من قلب إيران، حيث كل شاهد قبر، وكل غصن ورد، وكل قطرة دمع، تروي قصة من قصص التضحية والعشق للوطن.
من مختلف فئات الشعب، كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً، توافدوا جميعاً إلى هذا المكان، متحدّين الجو الحار الخانق. شيخٌ مسنّ يتوكأ على عصاه يمشي بخطى وئيدة، كأنما يسترجع ذكريات شبابه. سيدة على كرسي متحرّك تشق طريقها بصبرٍ وسط تراب المقبرة، بعينين تغمران بالصبر والثبات. بنات صغيرات يضعن على رؤوسهن عصبات حمراء وبيضاء كُتب عليها بخط عريض "لبيك يا خامنئي" و"صامدون حتى النهاية"، كنّ يسِرن بحماس طفولي، لكنه حازم، ووجوههن تشع بالإيمان والعزم.
في هذا المشهد، تلاشت الفروقات الظاهرية والعمرية، وتوحّد الجميع حول هدف واحد ومشاعر واحدة. ومن مكبّرات الصوت، انبعث صوت النشيد الوطني "إي إيران"، وكأن كل نغمة منه تنفخ روح الوطنية في القلوب. مجموعة من الفتيان الصغار وهم يرتدون ملابس مزينة بشعارات الوطن، أخذوا يردّدون النشيد بأصواتهم الطفولية العذبة، لكنها مليئة بالقوة والإصرار، وكأنهم يقولون: نحن جيل الشهداء القادم.
لم تثنِ حرارة الصيف أحداً. محطات توزيع الماء والشراب اجتذبت الأنظار. متطوعون من رجال ونساء كانوا يوزّعون شراب الليمون البارد وقطع البطيخ على الزائرين. وكان عطر الشراب المنعش يخفّف من عناء الجو. بنات صغيرات قدّمن الحلوى للناس، في تقليد إيراني قديم: "من يُحلِّي فم الآخرين في الدنيا، يُحلّى فمه في الآخرة." لم تكن مجرد حلوى، بل رمز للمحبة والإيثار.
كانت قبور الشهداء مزينة بالورود: الورد، المريم، والأقحوان. بجانب أحد القبور، وُضع قالب حلوى، أُعدّ لعيد ميلاده السادس والعشرين، لكن صاحبه لن يحتفل به أبداً. الشموع المطفيّة على القالب، والزهور المتناثرة، كانت تصرخ بحزن الشباب المقطوع.
الأمهات والنساء الشابات جلسن بجانب القبور، ودموعهن تنهمر بصمت. شابة غاصت عباءتها السوداء في التراب، بكت بحرقة حتى أغمي عليها. هرع الناس لمساعدتها، وزادت دموعهم تأثراً. في القطعة ٤٢، كان لكل دمعة، ولكل ابتسامة، ولكل صرخة، معنى يتجاوز الكلمات.
في ركن آخر، بكَت فتاتان صغيرتان إلى جانب قبر والدهما. احتضنتا بعضهما بأيديهما الصغيرة، في مشهد مؤلم يشبه حكايات كربلاء، حيث الأطفال أمام فقدانٍ يفوق أعمارهم بكثير. كذلك شوهدت أمٌ وابنتها إلى جوار قبر شاب، يسكبان الدموع بصمت، بوجهين يعبّران عن الصبر والوجع في آن.
الرجال المسنّون الذين عاشوا أيامهم على ضحكات أبنائهم، أصبحوا اليوم رموزاً للصبر. أمهات ينظفن القبور، وفتيات يحدّقن في الشواهد بحثاً عن ذاكرة ضائعة. إحدى الأمهات التي فقدت ابنها في حرب الثمانينات، جاءت لتواسي أمهات شهداء الحرب الأخيرة. تحمل بيدها صورة ابنها الشهيد، وصوتها يروي قصص الحرب بحلاوتها ومرارتها.
إلى جانبها، جلست شقيقة أحد الشهداء، بوجه مرهق وصوت مرتجف، قالت: "لا أذكر شيئاً… بعد استشهاد أخي، كأن ذاكرتي محيت. إن أردت شيئاً، انتظر زوجي." كلماتها خرجت من عمق وجعٍ لا يُوصف، مجسدةً رابط الماضي بالحاضر.
في القطعة ٤٢، امتزج الألم بالأمل، والشهادة بالحياة. ومن مكبّرات الصوت، انطلقت مرثية وطنية تقول:
"يا وطن الإله، يا صحن الإمام الرضا، يا إيران ذو الفقار والعاشورائية، ستبقى في روحي وجسدي يا وطن"
كأنها تخاطب القلوب وتبعث فيها نار العزيمة والإصرار.
حين بدأت نسمات الغروب تهبّ، ساد سكون روحاني في المكان. رفع الأذان، وتجمّع الناس لأداء صلاة المغرب في صفوف هادئة. رجال ونساء، كبار وصغار، وقفوا جنباً إلى جنب، خشوعاً أمام خالقهم، وكأن كلّ الأحزان تلاشت أمام جلال الإيمان.
القطعة ٤٢، لم تعد مجرد مدفن للشهداء، بل قطعة نابضة من قلب إيران. هنا، كل دمعة، كل وردة، وكل أنشودة، تحكي حكاية من حبٍ وتضحية وثبات. هذه الأرض المباركة، مأوى القلوب التي لا تتعب من المقاومة، وستظل حتى النفس الأخير، "من السائرين على درب زينب (س)".