حوارٌ مفتوحٌ لرئيسِ الجمهوريّةِ معَ ثلاثِ شخصيّاتٍ سياسيّةٍ وإعلاميّةٍ
الرئيس الإيراني بزشكيان: إيرانُ ملكٌ لجميعِ الإيرانيّين؛ والعملُ يمضي بوَحدةٍ وانسجام

بحسب وكالة «برنا» للأنباء، عقد مسعود بَزشكيان، رئيسُ الحكومةِ الرابعةِ عشرة، جلسةً حواريّةً مطوّلةً مع حُجّةِ الإسلام محمدِ علي أبطحي وعبدِالله غنجي وعليرضا معزي، تناولت بالتفصيل أهمَّ قضايا الساعة وأداءَ حكومته خلال عامها الأوّل.

وفي مستهلّ الجلسة، استذكر رئيسُ الجمهوريّة الإمامَ وشهداءَ الحكومة وشهداءَ الإرهاب، قائلاً: إنّ ذلك يدلّ على أنّ الجمهوريّةَ الإسلاميّة كانت طيلة الأربعين إلى الخمسين عامًا الماضية تحت وطأة الإرهاب. وأضاف: إنّ الاتّهاماتِ التي تُوجَّه إلى الجمهوريّة الإسلاميّة بأنّ إيران تمارس الإرهاب أو أنّها «إرهابيّة» هي افتراءاتٌ كاذبة؛ فقد فقدنا كبارَنا، ومؤخرًا فقدنا أيضًا علماءَنا وقادتَنا وأبناءَ شعبِنا. وختم بالقول: أرجو أن يُعينَنا اللهُ على دفعِ البلاد قدمًا بوحدةٍ وتماسك.

وسأل أبطحي، باعتباره السؤالَ الأوّل موجّهًا إلى رئيس الجمهوريّة: إنّ أهمّ مسألةٍ بعد الحرب هي حالةُ التعليقِ التي يعيشها الناس، وهي أسوأُ من الحرب نفسها؛ فالناس لا يستطيعون الاستثمارَ ولا التخطيط. كيف يمكنكم رفعُ هذا الهمّ عنهم؟ الناس يريدون العزّة ولا يريدون الحرب. تفضّلوا بالإجابة.

فأجاب بزشكيان: نحن لا نبحث عن الحرب، ولم نكن ولن نكون كذلك، لكنّ هؤلاء منذ بداية الثورة كانوا يسعون إلى الانقلاب والحرب والإرهاب. والآن أيضًا كانوا يظنّون أنّ إيران في أضعفِ حالاتها، وكان تحليلُهم أنّهم سيأتون ويشنّون هجومًا، وفي اليوم الثالث سينزل الناسُ إلى الشوارع ويُنهون الأمر. إنّ مشاركتي في الانتخابات كانت لهذا تحديدًا: أن أُحضر الناس إلى قلبِ الميدان لكي يكون الشعبُ هو من يحكم.

وأضاف: كانوا يتصوّرون أنّ وضعَ البلاد وخيمٌ وأنّ الناسَ يعانون، ولذلك دخلوا من الحدود واستهدفوا في البداية مخافرَ قوى الأمن الداخلي وعسكريّينا. هذه الحوادث ليست أمرًا جديدًا علينا. ينبغي أن نُرسِيَ في الداخل الوحدةَ والانسجام؛ وعندئذٍ سنصنع قوّةً لا تنضب. وكان الإمام يقول: افترضوا أنّكم جئتم وضربتم؛ لكنكم في النهاية ستنزلون، فماذا ستفعلون حينها؟ وأنا أيضًا دخلتُ الميدان على نحوٍ دائم. وبيتُ القصيدِ في كلام قائد الثورة هو الوحدةُ والانسجام؛ وقد قال في خطابه بعد الهجمات أن تُنشَد «أي إيران».

وتابع رئيسُ الجمهوريّة: إيران ليست شأنَ فئةٍ أو تيّارٍ بعينه؛ إنّها تخصّ جميعَ الناس، ولا يستطيع أحدٌ أن يقول إنّها ملكٌ له. يمكن دفعُ هذا العمل بوحدةٍ وانسجام. نحن لا نسعى إلى الحرب، لكن إن أرادوها سنقاوم وسنثبت بقوّة. وقد أظهر الشعبُ أيضًا أنّه إذا وقعت حربٌ فسوف يقفُ بقوّة. الناس لا يريدون الحرب. الولايات المتحدة و«إسرائيل» تسعيان إلى تفتيت إيران، ولا يوجد إيرانيّ يقبل أن تُقسَّم بلادُه أو أن تُباد.

وقال: كان الأعداء، بتحليلاتهم الخاطئة، يتصوّرون أنّ إيران في أضعفِ موقف، وأنّه إذا وقع هجومٌ سينزل الناسُ إلى الشوارع فتنهار الدولةُ والثورة. هذا الخطأُ والطمعُ ليسا أمرًا جديدًا. رسالتي دائمًا هي الوحدةُ والانسجام. فإذا وقف الناس جنبًا إلى جنب، فلن يجرؤ أيُّ قوّةٍ على أن تطمع في هذه الأرض بسهولة.

وقال بزشكيان: «الحربُ التي لا تنتهي» اسمُ كتابٍ قرأتُه. يقول الكتاب إنّ الموارد المتاحة للولايات المتحدة كثيرةٌ إلى حدٍّ يجعلها لا تُقلِع عنها، أمّا في إيران، فهؤلاء هم الناسُ الذين لن يسمحوا لأمريكا أن تأخذ مواردَ وإمكاناتِ إيران مجّانًا وتمضي، فيما تُطأطئ إيرانُ رأسَها. لقد حرّكوا القوميّاتِ والدولَ ضدّ إيران فلم ينالوا مبتغاهم، والآن دخلوا هم أنفسُهم مباشرةً إلى الميدان. وقد قتلوا مؤخرًا نساءً وشيوخًا وشبّانًا، وكذلك في سوريا وفلسطين وغزّة قتلوا الأطفالَ والنساءَ بوحشيّة. إنّهم لا يكفّون عن أفعالهم، ونحن أيضًا، إذا كانت لدينا وحدةٌ وانسجام، فلن يتمكّنوا من بلوغ أهدافهم.

سألَ عبدالله غنجي، متابعًا، رئيسَ الجمهوريّة: ليست لدينا تجاربُ جيّدة من الماضي، ونشكركم على الوحدة والانسجام اللذين أرسيتُموهما، كما أنّ صراحتَكم أيضًا محلّ تقدير؛ لكنّ سؤالي لكم أنّكم قلتم أكثر من خمسين مرّة إنّ برامجي هي «البرنامج السابع» و«السياسات العامّة للنظام»، فما آليّةُ تنفيذِ ذلك؟ وكيف يمكن تحقيقُ الاكتفاء الذاتي في مختلف المنتجات الزراعيّة مع ترشيد مياه الزراعة؟ وكيف يستطيعُ مجلسُ وزرائكم أن يتشاور ويتفاعل معًا في هذه المجالات؟

فأجاب بزشكيان: في المنافسات الانتخابيّة كانوا يقولون لي إنّك لا تملك برنامجًا للأهداف التي تطرحها. أنا شخصٌ متعلّم وأعرف ما معنى البرنامج. ليس لديَّ حزب، مع أنّ الحزب مانيفستو وإطارٌ، والأحزابُ في الداخل، سواء المحافظون أم الإصلاحيّون، تفتقر إلى ذلك. ليس لدى الأحزاب الداخليّة أيّ برنامج في السياسة والاقتصاد والثقافة. وهناك فرقٌ كبير بين ما يُكتب وما ينطق به الناس. وما هو قائمٌ مثلًا في التربية والتعليم هو عدمُ العدالة.

وأضاف: إنّ الأحزاب المؤسّسيّة لم تتشكّل بعد، ربّما لأنّ السلطة لم تسمح بذلك. وقد صاغت مؤسّسات الحكم والدولة السياساتِ العامّةَ للنظام، وذلك استنادًا إلى الآراء الخبرويّة. كما يُكتَب «البرنامج السابع» من قِبل خبراء الحكومة والبرلمان. أمّا مدى قابليته للتنفيذ فسوف نُعلنه.

وقد أعلنتُ أنّ الموادّ من البرنامج السابع التي ليست قابلةً للتنفيذ سنُطلع عليها الشعبَ والبرلمان؛ أمّا عدمُ تمكّننا حتى الآن من تنفيذها، فمرجعه المشكلاتُ التي شغلتنا وأدخلتنا في انهماكٍ بها.

وثيقةُ الرؤية جميلةٌ في ذاتها. والرؤية ليست شيئًا ينتهي خلال عشرين عامًا. إنّها نظرتُنا إلى أن نكون الأفضل. ينبغي أن نسعى لبلوغ الأهداف المندرجة فيها، لكنّنا لأسبابٍ شتّى لم نتمكّن من تحقيقها. ونحن ندرس شروطَ تنفيذها لكي أُبلّغ البرلمانَ بالأسباب التي تجعل بعضَها غيرَ قابلٍ للتنفيذ.

والبرامجُ التي نعلنها اليوم أيضًا تستغرق وقتًا. واعلموا أنّ تنفيذَها ليس سهلًا مثل قولِي لها. والسببُ الرئيس لعدم تنفيذ البرامج هو الدولةُ نفسها، لأنّها لا تمتلك الموارد؛ ولذلك تطبعُ النقودَ فتُولّد التضخّم. وينبغي إنهاءُ الازدواجيّة وتفكيكُ الأجهزة والمؤسّسات الموازية وغير الضروريّة.

سأل حجّةُ الإسلام أبطحي متابعًا: كيف كانتِ الحكومةُ التي تسلّمتموها؟

فأجاب رئيسُ الجمهوريّة: في اختيار المناصب لم نكن نبحث عن الأفضل، بل عن الانتماء الفئوي والحزبي. منذ 47 عامًا ونحن نسير على هذا النهج. المشكلة ليست في الأشخاص بل في السياسات. إنّ اللصوص يُولدون بسبب الاصطفافات الحزبيّة. مشكلتُنا هي النظام نفسُه؛ ينبغي إصلاحُه لكيلا يفسدَ الصالحون إذا دخلوا فيه. يجب أن نجلسَ أسابيعَ لنحدّد مواضعَ العطب والخلل فيه. تُعقَدُ كلَّ أسبوع مؤتمراتُ وفيّات المرضى؛ وفي هذه المؤتمرات لا يبحثون عن المُقصِّر، بل عن الأسباب. وفي السياسة الحالُ كذلك: بتبديل الأشخاص لا تُحَلّ المشكلات، بل ينبغي إصلاحُ النظام.

سألَ علیرضا معزّي رئيسَ الجمهوريّة قائلاً: إنّ إيرانَ لحلّ مشكلاتها تحتاجُ إلى قرارٍ صعب، والتوقّعُ منكم كبير، لأنّ الناس يرونكم «رجلَ الأيّامِ الصعبة». وإنّ مهنتكم كجرّاحٍ أجرى أعمالًا معقّدة تدلّ على أنّكم رجلُ القراراتِ الصعبة. وظروفُ السنةِ الماضية وفّرت أرضيّةً لاتّخاذ قراراتٍ صعبة. فريقٌ يرى أنّ إصرارَ النظام هو الإبقاءُ على النهجِ القائم، أي على عناصرَ لا ينبغي أن تتغيّر أو تُصلَح؛ وفريقٌ آخر يقول إنّه يجب إصلاحُ هذه العناصر ولو أفضى ذلك إلى مواجهةٍ جدّيّة. ما تعريفُكم للظروفِ الصعبة والقرارِ الصعب؟ وهل يُعدّ تفعيلُ آليّة «سناب باك» (إعادة فرض العقوبات) قرارًا صعبًا؟ الناسُ ينتظرون أن تمنعَ حكومتُكم اندلاعَ حربٍ جديدة، فيما العدوّ يسعى إلى «الموتِ المجنون». فما قرارُ حكومتِكم؟

فشرح بَزشكيان في الجواب: عملي أوّلًا هو إرساءُ الوحدةِ والانسجامِ الداخليَّينِ والحفاظُ عليهما، وذلك بقيادةِ المجتمع. إنّ «عمودَ الخيمة» قادرٌ على جمعِ الجميعِ من حوله. وبيننا—أعني بين الشعبِ والمسؤولين—ما زالت هناك فواصلُ كبيرةٌ قبليّةٌ وقوميّةٌ ومذهبيّةٌ واقتصاديّة. وتخرجُ من هيئةِ الإذاعةِ والتلفزيون وأحيانًا من البرلمان أصواتٌ تُفاقِمُ هذا الشقاق.

وقال: لا نرغبُ في تفعيل «السناب باك». والدولُ الأوروبيّة—مع أنّها نفسُها تنتهكُ كثيرًا من القوانين الدوليّة—تسعى اليوم إلى تفعيلِ هذه الآليّة. الألحانُ والنَّغَماتُ التي تتشكّلُ تدريجيًّا تُعيقُ الوحدةَ والانسجام، ويجب أن نُعالجَ ذلك. ينبغي أن يتقدّمَ الأفرادُ على أساسِ الاستحقاق والكفاءة. وحين يقولُ القائدُ إنّ «هذا العملَ يجب أن يُنجَز»، فلا ينبغي لأحدٍ أن ينهضَ ويقولَ قولًا آخر.

وتابع بَزشكيان: أبديتُ رأيي في البرلمان بشأن «الاتّفاقِ النووي (برجام)» وقد سألني القائدُ رأيي أيضًا. وما زلتُ أرى أنّ قبولَ «برجام» خيرٌ من عدمِه. والذين لم يكونوا يقبلون «برجام» صاروا اليوم يقولون: «أرأيتم؟ لقد فُعِّل السناب باك!» لا ينبغي التصرّفُ بخلافِ رأي القائد؛ وكأنّ فريقًا ما يعزفُ نغمةً مخالفةً له.

وختم قائلاً: نحن لا نُرحّبُ بـ«السناب باك». والذين يقولون إنّ العقوبات و«السناب باك» غيرُ مهمَّين، يقولون كلامًا فارغًا. فالقائدُ أيضًا يرى أنّ ضررَ العقوباتِ أشدُّ من الحرب، لأنّها—مثلًا—تمنعُ دخولَ الأدوية، فيُفقَدُ كثيرٌ من الأرواح.

سأل حجةُ الإسلام أبطحي متابعًا: في دعاء أبي حمزة ذُكرت مشكلةُ «تأجيل اليوم إلى الغد» (التسويف) في شؤون الناس. وأتصوّر أنّ حكومتكم قد ابتُليت بشيءٍ من ذلك.
فقال بزشكيان: في بعض المسائل كلامُكم صحيح، لأنّنا نقوم بترتيبِ الأولويّات.

وأضاف أبطحي: يُقال إنّ بزشكيان إذا عيّن أحدًا لا يُقيله، حتى لو لم يؤدِّ عملَه على نحوٍ صحيح. أمّا مسألةُ الحجب فلا تظنّوها صغيرة؛ فهي مهمّةٌ جدًّا عند الناس. لقد انتقلت مرجعيّةُ الناس إلى الإنترنت. وللعبور من الحجب يشغّل الناسُ برامجَ كسرِ الحجب، ودَعْ ما يذهب إليه بعضُهم من مواقع. وكما قلتم إنّكم لن تُطبّقوا قانونَ الحجاب ولم تُطبّقوه، فلماذا لا تتصرّفون بالطريقة نفسها في موضوع الحجب؟ حين كان واتساب متاحًا لِمَ لا تُفتَح باقي التطبيقات؟ إنّ الناس بانتظار ذلك.

فأكّد رئيسُ الجمهوريّة: إنّ الشبكاتِ الافتراضيّةِ الخاصّة (VPN) والفضاءَ الافتراضي يشكّلان تحدّيًا. وأريد أن أُقنعَ معارضي رفعِ الحجب بأنّ ما يجري عبر الـVPN أسوأُ ممّا سنقوم به نحن. فكرةُ الحجب خاطئة، وقد قلنا ذلك لإخوتنا في اجتماعاتِ صناعة القرار وصنعِ السياسات. لا نريد حلَّ المسألة بالشجار. والصلاحيّات متوزّعةٌ بين هياكلَ متعدّدة.

وأضاف: القائدُ لم يُدلِ برأيٍ في هذا الشأن. وهناك مركزٌ هو الذي يتولّى هذا الأمر. وقد وَضَعوا جدولًا زمنيًّا لفتح المنصّات، بل إنّ ممثّلي تلك المنصّات جاءوا إلى إيران، لكنّ الحربَ أخّرت المسار. نيّتي ومسعاي فتحُها من دون إثارةِ توتّر. والخطرُ الذي أشعر به قبل كلّ شيء هو على الوحدةِ والانسجام.

وتابع بزشكيان: هناك جهةٌ مثل البرلمان تتولّى في هذا الموضوع صناعةَ القرار والسياسات. وأنا مَن ينبغي أن يُسمّي أمينَ هذا المركز، لكنّ أعضاءَه أيضًا مهمّون ويُختارون من جهاتٍ أخرى. لو كان الأمرُ بيدي لكان قد تمّ إلى الآن. الأصلُ عندي هو الوحدةُ والانسجام، لا الـVPN. سببُ خصوماتِنا هو ظنُّنا أنّ المشكلات تُحلّ بـ«القصّ بالمقصّ». وكلُّ تيّارٍ يأتي يقصّ ما صنعه مَن قبلَه، ومع ذلك تبقى المشكلاتُ على حالها.

وقال الرئيس: في البنية الإداريّة أيضًا، وبسبب ارتباطِ الأفراد بالتيّارات، جرى الالتفافُ على الهيكل الإداري، وجرت تعييناتٌ على هوى الأشخاص. وفي قطاعات الماء والكهرباء والغاز والمال الوضعُ هو نفسه. وقد رفعتُ تقريرًا إلى القائد في هذا الشأن. إنّ وضعَ طهران بهذه الكثافة لم يُخطَّط له في ما يخصّ الكهرباءَ والغازَ والماء، وقد حُمّلَت المدينةُ هذا العددَ من السكّان بهذه الصورة. نحن أنفسُنا كنّا سببَ هذه الوقائع. ولا بدّ من حلّ المسألة عبر تصحيحِ المسار.

سألَ عبدالله غنجي في سؤالٍ آخر: إنّ المُقصّرَ في الظروف الراهنة يُعرَّف في وسائل الإعلام العالميّة بأنّه «إيران»، ولا يُحمَّل الغربيّون أيَّ مسؤوليّة، ومع ذلك ما زال الحديثُ يدور عن التفاوض مع هؤلاء أنفسهم. فهل تستطيع إيرانُ—لو أنّها لم تُساند فلسطين—أن تمتلك الصواريخَ والقدرةَ النوويّة؟ وهل من دون الجمهوريّة الإسلاميّة تُصبِح فكرةُ «إسرائيل الكبرى» ممكنةً؟

فأجاب بزشكيان: «كلُّ مشكلةٍ تنشأ فهي من أنفسِنا. وأوّلُ خطبةٍ للإمام عليّ بعد تولّيه الحكم كانت عن إزالة الخلافات وتقويم النهج. نحن في الداخل لم نُحسن بعدُ إقامةَ الانسجامِ والعدالةِ والوحدة. إذا تمكّنا من ذلك فلن تكون هناك حاجةٌ إلى أمورٍ أخرى. إنّ تجاهُلَ الفوارقِ بين الجنسين، والقوميّاتِ والمذاهبِ، والنزعاتِ الاستئثاريّةَ هو ما أفسد الأمور. لا ينبغي أن نعدَّ الناسَ مواطنين من درجةٍ ثانية؛ لذلك، قبل معالجة مشكلتنا مع الغرب و«السناب باك»، ينبغي حلُّ صراعاتِنا الداخليّة. الأعداءُ أيضًا يرمقونَ خلافاتِنا الداخليّة، وأنا أخشى هذا أكثرَ من السناب باك».

وأضاف: «هم يسعون إلى القول إنّ كلَّ المشاكل والأخطاء تقع على عاتق الجمهوريّة الإسلاميّة والنظام. وأنا أرى أنّ ما قلناه باسم الإسلام والدين—عن الإنسانيّة والصدق والعدالة—يجب أن نُطبّقَه. إذا فعلنا ذلك فلن يستطيع أحدٌ بالقنابل و«إف-35» أن يُركِعَ هذا الشعب. علينا أن نحترمَ بعضَنا بعضًا وأن نعترفَ بحقوقِ بعضِنا. هناك مَن لم يكن حتّى الأمس يَعدُّني مؤهّلًا لتمثيل الناس، لكنّ القائدَ قال إنّ المشكلةَ يجب أن تُحلّ. إنّ أهلَ الغرض هم مَن يصنعون مشاكلَ البلاد، ومشكلةُ شعبِنا هي هؤلاء بالذات».

وسألَ عليرضا معزّي: «ربطتُم في الانتخابات وفي الرئاسة برنامجَين اثنين—ومنها التوافُق—بالاعتماد على آراء الخبراء. خلال العام الماضي، أيَّ مسألةٍ من مسائل إيران حللتُموها بالاتّكاء على آراء أهل الخبرة؟»

فشرح الرئيس: «لقد رأيتم نتيجةَ التوافُق وأثرَه في الحرب التي دامت 12 يومًا. عيّنّا محافظًا بلوشيًّا سنّيًّا—بموافقة القائد وعدمِ اعتراضِه—ومحافظُ كردستان أيضًا سنّيّ. كما عيّنّا عددًا كبيرًا من النساء في مناصبَ معاونةٍ وهيئاتٍ مختلفة، وسعَينا إلى تطبيق هذا النهج. أمّا بشأن قانون الحجاب فشعوري كان أنّنا لا نستطيع تنفيذَه لأنّ البلاد كانت ستدخل في مشكلاتٍ كثيرة. عائلتي كلُّها «مُحجَّباتٌ بالحجاب الإيراني (الشادور)»، وهذا لا يعني أنّ مَن ليست كذلك فهي سيّئة».

وأضاف: «العفّةُ والحجابُ أمران مختلفان. وهل مَن لا ترتدي الشادورَ أو غطاءَ الرأس في الخارج تكونُ بلا عفّة؟ لا ينبغي أن نفعل ما يضرّ البلادَ أكثر. علينا التزامُ الأمرِ الديني. وفي قضايا المياه والمجتمع والاقتصاد أشركنا خمسةً أو ستّةَ جامعات، وقد طلب خبراؤها مهلةً ليعرضوا برامجَهم. وفي البيئةِ نتّبع النهجَ نفسَه. كما طُرحت مشكلاتٌ بيئيّةٌ وتابعتها النُّخَبُ والأكاديميّون في المحافظات عبر «مجمع المحافظين». وبالطبع لا تُتَّخذ القراراتُ بالعلم وحده؛ إذ يجب أخذُ العواملِ ذات الصلة في الحسبان».

سألَ معزّي متابعًا: ماذا عن المسائل والمشكلات الكبرى في إيران مثل الحجبِ وأمثاله؟ هل تُقدِّم آراءَك على آراء الخبراء؟

قال بَزشكيان: المشكلةُ هي البنيةُ الإداريّة. أستطيع استخدامَ صلاحيّاتي التنظيميّة، لكن حين تكونُ الأمورُ بيد أربعة أجهزةٍ وهيئاتٍ مختلفة، فعليّ أن أقدِّم آرائي، غيرَ أنّ القرار يجب أن يُتَّخذ بالتوافق. وهذا إنما يتحقّقُ بالوفاق والانسجام. وما يتّصلُ بسائرِ السلطات ينبغي إنجازه بالتنسيق والوفاق. وفي موضوع قانون الحجاب كان يمكن للبرلمان أن يُخاصمني بسبب عدم تنفيذه، لكنه لم يفعل. وفي المواضع التي لا تتوافقُ فيها السلطاتُ الأخرى مع رأيي لا أستطيعُ أن أُكرهها على الأخذ به. إنّ التوافقَ مع هذه السلطات والهيئات يحتاج إلى وقت، لأنه يحتاج إلى لغةٍ وخطابٍ مشترَكَين، وهذا مُستغرِقٌ للوقت. وبالنسبة للسلطات الأخرى لا يوجد «إلزامٌ واجب»، بل ينبغي بناءُ خطابٍ جديد.

قال معزّي: التوافقُ تحت مظلّة القائد، فكيف نَحُول دون اختلالِ هذا التوافق؟

شدّد بَزشكيان: إنّ تدخّلاتِ القائد حالت دون تَشاجُرِ السلطات واضطرابِ الأوضاع.

وسأل حجّةُ الإسلام أبطحي: «الوفاق» هو بيتُ القصيد في حكومتِكم. أزماتُ البلاد خلال العام الماضي—بسبب تراكُم المشكلات—كانت بمقدار عشرِ سنوات. و«الوفاق» هو مصداقُ خطابِ السيّد خاتمي. فهل الوفاقُ أحاديّ الطرف تقومون أنتم به باستمرار؟ القائدُ يعدّه أمرًا مقدّسًا، لكنّ المتشدّدين يرفضون آراءَه خُفْيةً. ما فكرتُكم لمعالجةِ وفاقٍ أحاديّ؟ أنصارُكم بدأوا يفقدون الأملَ بكم لهذا السبب. متى سيُطبَّق الوفاقُ مع الشعب؟

فأكّد بَزشكيان: لقد توافقتُ مع الشعب. حين عيّنتُ سنّيًّا في موقع المسؤولية فهذا هو عينُه. وحين نتّبعُ «محوريّةَ الحيّ» فهذا أيضًا. هناك 7,200 مدرسةٌ قيدُ الإنشاء بأيدي الناس. وخلال الأشهر الستّة الماضية شُيِّدت 2,200 مدرسة، وهو عملٌ استثنائي.

أقضي معظمَ وقتي في الحكومة على التربيةِ والتعليم. أبني أوّلًا الصعيدَ المادّي ثم الصعيدَ البرامجي. الشبابُ ثمرةُ فكرِنا وسلوكِنا، وهم مستقبلُ البلاد. ومَن يُحسَن تأهيلُه من الشباب لا يمكن أن يبيعَ وطنَه. نحن نسعى لمعالجةِ الهموم. تغييرُ المسار ليس سهلًا؛ والمدارسُ لا تُبنى في يومٍ واحد. إنّ بناءَ سبعةٍ إلى ثمانيةِ آلافِ مدرسةٍ عملٌ كبير.

القضايا التعليميّة يتولّى إصلاحَها أساتذةُ الجامعات، لكنها تستغرق وقتًا. ونحن نفكّر في «نمطِ الحياة» وطريقةِ التفكيرِ والذهنيّة. ولحلّ المشكلات، رفعُ الحجب وحده ليس حلًّا. أساتذةٌ جامعيّون من النُّخَب يعملون على جميعِ هذه الملفات.

سألَ عبدالله غنجي، في سياق الجلسة، رئيسَ الجمهوريّة: ما خطّتكم للشفافيّة في مختلف المجالات؟

فأجاب الرئيس مسعود بَزشكيان: «أوّلًا: المادّة 169 مكرّر من قانون الضرائب، ثمّ «كود» الأرض/السجلّ العقاري (الكاداستر)، ثمّ رمز «جينِف» (رمز المكان)، ثمّ الكود الوطني. إذا وصلنا هذه الحلقات ببعضها فلن يستطيع أيُّ مبلغٍ أن يدخلَ حسابَ أحدٍ من دون أن يُعرَفَ مصدرُه ومصبُّه. أمّا «مجموعة العمل المالي» (FATF) التي يقول بعضُهم إنّها سيّئة—بحجّة أنّ أميركا ستعرف ماذا فعلنا بالأموال—فلها نظامٌ يمنع ضياعَ الأموال. عندما يضيع المالُ عندنا فهذا يعني أنّ نظامَنا قاصر؛ فإذا طبّقنا عمليًّا المادّة 169 مكرّر من قانون الضرائب، واستطعنا ربطَ الكود الوطني وكود الأرض برمز المكان، ستتّضح البيانات».

وأضاف: «في الخارج، النظامُ لا يسمح للمسيئين بالاستفادة؛ ونحن نسعى لتفعيل نظامٍ مماثل في إيران. يمكن للأفراد امتلاكُ منزلٍ واحدٍ بلا ضريبة، لكن ينبغي أخذُ الضريبة على سائر أملاكهم. ولا يصلح أن نكتب وصفةً واحدةً لكلّ الناس؛ فمَن لا يملك بيتًا يجب أن تُمنَح له إعانة. لقد حقّق تنفيذُ هذه الفكرة تقدّمًا بنسبة 85%، وستُطبَّق حتمًا في هذه الحكومة».

وسأل عليرضا معزّي أيضًا: «بالنظر إلى الأحداث التي وقعت في عهد حكومتكم، هل ستُرشّحون أنفسَكم مجدّدًا للرئاسة، وهل ستحصلون على الأصوات؟»

فقال بَزشكيان: «دخلتُ الميدان انطلاقًا من إيماني وقناعتي. أؤمن ببلدي وبشعبي، ولا أريد لهما الضعفَ والتخلّف. حين لم أكن مسؤولًا كنت—والله—أكثرَ راحة، لكنّي مستعدٌّ لأن أعملَ لشعبي إلى آخر رمق. قلتُ للإخوة المنافسين: تعالَوا وتحمّلوا المسؤوليّة ولا تكتفوا بالشعارات، ولا تقفوا جانبًا لتقولوا: “لِنُفشِلْه”. لكن بعضَهم قال إنّ الرجل يريد جمعَ الأصوات».

وأضاف: «وأقول الآن أيضًا: أيُّ شخصٍ في الداخل أو الخارج يستطيع حلَّ مشكلات الناس سأقبّلُ يدَه. لم أطلب منصبًا؛ حتى النيابة عن مجلس الشورى لم أترشّح لها طلبًا للمقام. أمّا مقدارُ نجاحي فموضعُ نقاش. لم أستخدم أيَّ امتيازٍ لنفسي أو لأسرتي أو لعشيرتي. لا أستطيع وحدي حلَّ مشكلات البلاد؛ ينبغي أن ينزلَ الناسُ إلى الميدان كي أنجح».

وقال: «في الإدارة يقولون: نفِّذ، حتى لو أخطأت. لا مديرَ يحبُّ أن يُخطئ. القوّةُ في العلم والمعرفة والمهارة. نحن نعاني مشكلاتٍ في الماء والكهرباء والغاز. أيُّ شخصٍ يدّعي حلَّها فليتقدّم إلى الميدان. قال أحدُهم في هيئة الإذاعة والتلفزيون: ما تقولونه باطل؛ هنالك 400 مليار مترٍ مكعّبٍ من المياه. وأنا أقول: فليأتِ هذا الشخصُ، وسأعطيه 100 مليار تومان ليحلَّ مشكلةَ الناس. أنا لا أرى ماءً؛ إن كان يراه فليأتِ ويحلَّه».

وفي ختام مقابلته مع الناشطين السياسيّين والإعلاميّين قال رئيسُ الجمهوريّة: «أسألُ اللهَ أن لا أخجلَ أمامَ شعبِ إيران. وأعتقد أنّ مشكلاتِ البلاد تُحلّ بتكاتفِ الشعب».