إحياء ذكرى ميلاده ليس مجرد استعادة لسيرة شخصية بارزة، بل مناسبة للتأمل في العلاقة بين المعرفة والتنمية، وبين الهوية الوطنية والانفتاح العلمي.
من الدراسة في أوروبا إلى العودة من أجل البناء
وُلد محمود حسابي عام 1903 (1281 هـ.ش) في طهران، ودرس في أوروبا خلال مرحلة شهدت تحولات عميقة في علم الفيزياء، مع صعود نظريات النسبية والميكانيكا الكمية. حصل على الدكتوراه في الفيزياء من جامعة السوربون في فرنسا، واكتسب تجربة علمية مكّنته من الانخراط في أوساط أكاديمية رفيعة.
غير أن قراره بالعودة إلى إيران شكّل نقطة التحول الأساسية في مسيرته. ففي وقت كان بإمكانه الاستمرار في مسار أكاديمي أوروبي، اختار أن يضع علمه في خدمة بلاده. كانت الجامعات الإيرانية آنذاك في بداياتها، وكان تأسيس البنية التعليمية الحديثة يتطلب خبرات علمية راسخة. ساهم حسابي في وضع الأسس الأولى لتدريس الفيزياء في جامعة طهران، وكان من بين أوائل الأساتذة الذين رسخوا المنهج العلمي التجريبي في التعليم العالي الإيراني.
لقد مثّلت عودته تجسيداً لفكرة أن المعرفة تكتسب معناها الحقيقي حين تُسهم في بناء المجتمع.
تأسيس المؤسسات العلمية الحديثة
لم تقتصر جهود حسابي على التدريس، بل امتدت إلى إنشاء وتطوير مؤسسات علمية وتقنية أساسية. كان من أوائل من عملوا على إنشاء مختبرات الفيزياء الحديثة في إيران، وساهم في ترسيخ ثقافة البحث العلمي داخل الجامعة.
كما شارك في تطوير قطاعات مرتبطة بالاتصالات والتخطيط العلمي، مؤمناً بأن التقدم الصناعي والتقني لا ينفصل عن قاعدة علمية صلبة. رؤيته للعلم كانت شاملة؛ إذ اعتبر أن الجامعة يجب أن تكون مركزاً للإبداع والابتكار، لا مجرد مؤسسة تعليمية تقليدية.
في سياق مرحلة التحديث التي شهدتها البلاد، كان وجود شخصيات علمية مثل حسابي عاملاً حاسماً في ترسيخ موقع العلم ضمن مشروع الدولة الحديثة.
العلم والهوية والمسؤولية الاجتماعية
تميّز محمود حسابي بإيمانه العميق بأن التقدم العلمي لا ينفصل عن الهوية الوطنية. كان يؤكد على ضرورة بناء قدرات علمية داخلية، وعدم الاكتفاء باستيراد المعرفة من الخارج. من وجهة نظره، الاستقلال العلمي شرط للاستقلال الحقيقي.
وقد أولى أهمية خاصة لدور الأستاذ الجامعي في تنشئة جيلٍ واعٍ ومسؤول. كان يرى أن مهمة التعليم لا تقتصر على نقل المعلومات، بل تشمل ترسيخ روح النقد العلمي والانضباط الأخلاقي. ولهذا، ترك أثراً عميقاً في طلابه الذين أصبح كثير منهم لاحقاً من رواد التخصصات العلمية في إيران.
هذا البعد الأخلاقي في رؤيته للعلم جعله مثالاً للعالم الذي يجمع بين المعرفة والالتزام الاجتماعي.
إرث يتجاوز الزمن
لا يتمثل إرث محمود حسابي في إنجازاته الفردية فحسب، بل في البنية الأكاديمية التي ساهم في بنائها، وفي الثقافة العلمية التي عمل على ترسيخها. لقد مثّل نموذجاً للعالم الذي يجمع بين الانفتاح على المعرفة العالمية والحفاظ على الهوية الوطنية.
إحياء ذكرى ميلاده يطرح سؤالاً معاصراً: ما موقع العلم اليوم في مشاريع التنمية الوطنية؟ وهل ما تزال الجامعات تقوم بالدور الذي آمن به حسابي؟
إن استحضار سيرته يذكّر بأن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي ليس خياراً ثانوياً، بل شرطاً أساسياً لبناء مستقبل مستقر ومزدهر. لقد كان محمود حسابي أكثر من فيزيائي بارز؛ كان رمزاً لإرادة علمية رأت في المعرفة طريقاً لبناء الوطن وتعزيز مكانته بين الأمم.