انتصار الدبلوماسية والميدان؛ كيف فرضت إيران وقف إطلاق النار في لبنان
بناءً على تحليل الدكتور عبدالله الحسيني، فإن ما جرى خلف هذا وقف إطلاق النار يمثل قصة فاعل إقليمي نجح بلغة الدبلوماسية والضغط العسكري والتخطيط الاستراتيجي في تغيير ميزان القوة لصالح محوره. ويؤكد هذا المحلل أن إصرار الجمهورية الإسلامية على ضرورة وقف إطلاق النار في لبنان كان شرطاً مسبقاً لاستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، مما أثبت أن طهران باتت قادرة على التأثير الفعلي في المسارات الإقليمية الجوهرية. كما أعادت حرب رمضان الحياة إلى محور المقاومة بشكل أقوى وأكثر تماسكاً من أي وقت مضى، وكشف النشاط الواسع لقوات المقاومة في اليمن والعراق عن اليد الطولى لإيران متجاوزةً حدود المنطقة بكثير.
الضغط الدبلوماسي؛ كيف فرضت طهران شروطها على طاولة المفاوضات
في خضم المفاوضات النووية بين إيران وأمريكا، تحول موضوع وقف إطلاق النار في لبنان إلى أحد الشروط الأساسية لطهران. وقالت مصادر مطلعة إن المسؤولين الإيرانيين أكدوا للمفاوضين الغربيين بوضوح تام أن أي تقدم في مسار التفاوض مرهون بوقف الاعتداءات على لبنان.
هذا الموقف الحازم عكس تحولاً جوهرياً في مقاربة إيران مقارنة بالسنوات السابقة، حين كانت Tehran غالباً مضطرة لقبول شروط الطرف الآخر. غير أن الجمهورية الإسلامية هذه المرة، مدعومة بعدة أدوات قوة، بينها القدرات الصاروخية المتقدمة والشبكة الواسعة من الحلفاء الإقليميين والضغوط الدبلوماسية عبر روسيا والصين، نجحت في قلب الموازين لصالحها.
أسفرت هذه الضغوط عن إصدار تل أبيب لأمر وقف إطلاق النار، وهو قرار وصفه كثير من المحللين بأنه "هزيمة تكتيكية للصهاينة" و"انتصار استراتيجي لإيران".
حرب رمضان؛ حيثبعث محور المقاومة من جديد
على خلاف حسابات تل أبيب، لم تُضعف حرب رمضان محور المقاومة، بل جعلته أكثر تماسكاً وقوة من أي وقت مضى. وحضر حزب الله اللبناني في هذه الحرب بكل قوة، رغم أن الكيان الصهيويني بذل أكثر من عامين في محاولات حثيثة لتدميره وإخراج سلاحه، وهو ما أصاب كثيراً من المحللين العسكريين بالدهشة.
رغم الضغوط العسكرية الكبيرة واغتيال القادة الميدانيين، تمكن هذا الفاعل من الحفاظ على زمام المبادرة في الميدان وتوجيه ضربات مؤثرة ودقيقة للعدو. وأكد حزب الله في هذه الحرب أن المقاومة الإسلامية اللبنانية، خلافاً للمزاعم الصهيوينية، ليست في حال انهيار، بل تظل من أقوى أعمدة محور المقاومة في المنطقة.
والأهم من ذلك هو التنسيق العالي بين هذا الفاعل وباقي أطراف محور المقاومة، وهو ما كشف عن وجود قيادة مشتركة واستراتيجية متكاملة على المستوى الإقليمي.
سلسلة المقاومة؛ من مضيق هرمز إلى باب المندب
إلا أن قوة إيران لم تتوقف عند الحدود اللبنانية. فقد أضافت قوات المقاومة في العراق وخاصة في اليمن أبعاداً جديدة لهذه القوة. فقد شكّلت تهديدات أنصار الله اليمنية الفعلية لإغلاق مضيق باب المندب، إلى جانب السيطرة الاستراتيجية لإيران على مضيق هرمز، حلقة موحدة من المقاومة سيطرت مفترق طرق حيوي في التجارة العالمية.
هذا السيطرة على الممرين الاستراتيجيين رفعت قوة محور المقاومة الإسلامي من مستوى فاعل إقليمي إلى مستوى مؤثر على الاقتصاد العالمي والأمن الدولي. وأدت الهجمات المسيّرة والصاروخية اليمنية على السفن المرتبطة بالكيان الصهيويني بل وحتى السفن الغربية في البحر الأحمر، إلى ارتفاع حاد في تكاليف التأمين والنقل البحري، مما فرض ضغطاً اقتصادياً مضاعفاً على داعمي تل أبيب.
وضعت هذه السلسلة من المقاومة الكيان الصهيويني وحلفاءه في موقف دفاعي، مؤكدة أنه لا يمكن إدارة أي ترتيب إقليمي دون مراعاة إرادة محور المقاومة والدور الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية في إيران. ويمثل وقف إطلاق النار الذي تحقق بمتابعة الجمهورية الإسلامية انتصاراً واضحاً للمقاومة على المستويين الميداني والدبلوماسي، مرسلاً رسالة واضحة لكل الفاعلين بأن حقبة تفرد الكيان المعتدي والاحتلالي قد ولت، وأن القوة الحقيقية باتت اليوم في يد قوى المقاومة وداعميها.