بمناسبة انطلاق الدعوة للمشاركة في الدورة الثامنة عشرة من مهرجان مريوان الدولي للمسرح الجوال

المسرح الجوال؛ لغة الناس الحيّة من ميدان التحرير إلى مريوان

|
۲۰۲۵/۰۸/۱۲
|
۱۱:۵۶:۰۲
| رمز الخبر: ۲۸۷
المسرح الجوال؛ لغة الناس الحيّة من ميدان التحرير إلى مريوان
برنا – الثقافة والفنون:مع انطلاق الدعوة للمشاركة في الدورة الثامنة عشرة من مهرجان مريوان الدولي للمسرح الجوال، تتجدّد الأنظار نحو هذا الفن الذي يتخطّى جدران المسارح المغلقة ليصل إلى قلب الشوارع والساحات، ويعيد الفن إلى مكانه الطبيعي: بين الناس. المهرجان الذي أصبح علامة مميّزة على الخريطة الثقافية لإيران، يقدّم فرصة فريدة لمناقشة أبعاد هذا الفن ومكانته في العالم العربي والعالمي.

على عكس المسرح الكلاسيكي الذي يُقدَّم في قاعات مغلقة وبقواعد صارمة، ينزل المسرح الجوال إلى قلب الشوارع والساحات والأسواق والأماكن العامة. هذا الفن وُلد «من أجل الناس» و«بين الناس»، ولهذا يُعدّ أكثر أشكال الاتصال الفني مباشرة. في هذا الفضاء المفتوح، لا يبقى الجمهور متفرّجاً سلبياً، بل يصبح جزءاً من العرض، وتؤثّر ردود فعله في مجرى الأحداث، ما يمنح كل عرض طابعاً فريداً لا يتكرّر.

جذور تاريخية عالمية ومحلية

رغم أنّ الشكل المنظّم للمسرح الجوال ظهر عالمياً في منتصف القرن العشرين، متأثّراً بالحركات الاجتماعية والسياسية، فإنّ جذوره أعمق بكثير.
في إيران، تجسّد هذا التراث في فنّ القصّاصين في المقاهي والساحات، وعروض التعزية ذات الطابع الديني التي كانت تُقدَّم في الأزقّة والميدان، والمسرح الشعبي والتمثيل الكوميدي في المناسبات الاجتماعية. هذه الأشكال كانت تحمل السمة الجوهرية للمسرح الجوال: التواصل المباشر مع الناس بلغة حياتهم اليومية.

وعلى الصعيد العالمي، عرفنا كرنفالات إيطاليا والعروض الجوالة في إسبانيا وفرنسا التي جمعت بين الترفيه والرسائل الاجتماعية، والفرق المتجوّلة في إنكلترا التي كانت تقدم عروضاً قصيرة وتفاعلية في الأسواق والساحات. هذه الأمثلة تُثبت أنّ المسرح الجوال في كل مكان هو امتداد طبيعي للحياة العامة، ومرآة لهموم الناس وأفراحهم.

المسرح الجوال؛ لغة الناس الحيّة من ميدان التحرير إلى مريوان

مكانته في العالم العربي

في العالم العربي، حجز المسرح الجوال لنفسه موقعاً مميزاً، خاصة عندما أصبح أداة للتعبير عن المطالب الاجتماعية والنقد السياسي.
في مصر، برزت الفرق الجوالة منذ السبعينيات، لكن ذروة حضورها جاءت بعد ثورة 2011 في ميدان التحرير، حيث تحوّلت العروض إلى منابر حيّة لرسائل الحرية والتغيير.
في لبنان، تناول المسرح الجوال قضايا الحرب الأهلية والهجرة والتعايش الطائفي، مساهماً في خلق مساحات للحوار.
أما في تونس، فقد أصبح شارع الحبيب بورقيبة بعد الثورة مسرحاً مفتوحاً لعرض قضايا المجتمع وحقوق الإنسان، بمشاركة واسعة من الفرق المحلية والدولية.

هذه التجارب أكّدت أنّ المسرح الجوال في العالم العربي ليس مجرّد فعالية ثقافية، بل شكل من أشكال العمل المدني الذي يجذب الجمهور من مختلف الطبقات.

المسرح الجوال؛ لغة الناس الحيّة من ميدان التحرير إلى مريوان

التحديات والفرص

رغم طبيعته الشعبية، يواجه المسرح الجوال تحديات عديدة، من القيود القانونية والضغوط السياسية إلى ضعف التمويل وغياب البنية التحتية المستقرة.
لكن بساطته ومرونته تمنحه قدرة فريدة على الاستمرار حتى في أصعب الظروف. فهو لا يحتاج إلى ديكورات معقّدة أو تجهيزات باهظة، ويمكنه أن ينطلق في أي ساحة أو شارع، ما يجعله فناً مقاوماً وقادراً على البقاء.

مهرجان مريوان، مشهد في قلب المدينة

يمثّل مهرجان المسرح الجوال في مريوان، الذي انطلق مؤخراً، نموذجاً بارزاً لاستثمار طاقات هذا الفن. خلال أيام المهرجان، تتحوّل المدينة إلى مسرح كبير، حيث تحتضن الشوارع والساحات وحتى ضفاف بحيرة زريوار عروضاً حيّة.
لا يقتصر المهرجان على تقديم أعمال الفرق الإيرانية، بل يفتح أبوابه أيضاً للفرق العربية والأجنبية، ما يتيح فرصاً للتبادل الثقافي وتوسيع جسور التواصل الفني.

المسرح الجوال؛ لغة الناس الحيّة من ميدان التحرير إلى مريوان

 لغة الفن المشتركة، جسر بين الثقافات والأجيال

من ميدان التحرير في القاهرة، إلى شارع الحبيب بورقيبة في تونس، وصولاً إلى ساحات مريوان، يبرهن المسرح الجوال أنّ له لغة عالمية لا تعترف بالحدود الجغرافية.
هذا الفن، ببساطته وصدقه، يحوّل أي مكان إلى مساحة للحوار والتفاعل، ويعيد الفن إلى أصله: أداة للتواصل الإنساني المباشر.

مهرجان مريوان، في هذا السياق، ليس مجرد حدث فني، بل منصة تُظهر قدرة المسرح الجوال على جمع الأطفال والشيوخ، السكان والسائحين، الفنانين المحليين والضيوف الأجانب، في تجربة واحدة لا تتكرر.
والرسالة واضحة: الفن ملك للجميع، وأجمل أماكنه هي حيث يعيش الناس.

دعم وتطوير هذا النوع من المسرح لا يعدّ استثماراً ثقافياً فحسب، بل هو خطوة نحو تعزيز التضامن الاجتماعي، وحماية الهوية المشتركة، وتوسيع آفاق الحوار بين الثقافات، ليظل اسم مريوان حاضراً في الخريطة الثقافية العربية والدولية.

المسرح الجوال؛ لغة الناس الحيّة من ميدان التحرير إلى مريوان

رأيك
captcha