مذكرة؛

ناغويا… رواية صمود أمة

|
۲۰۲۶/۱۰/۰۴
|
۱۰:۱۷:۰۱
| رمز الخبر: ۳۲۷۳
صادقی
بقلم: ياسر صادقي - الرئيس التنفيذي لوكالة برنا

لم تكن ناغويا بالنسبة للإيرانيين مجرد ساحة لتنافس الرياضيين في آسيا، بل كانت في جوهرها روايةً لصمود أمة، كان رياضيوها هم رُواة هذه الملحمة.

إن الحصول على ١٩ ميدالية ذهبية، و١٨ فضية، و١٥ برونزية، والاحتلال للمركز السادس آسيوياً، قد لا يمثل للبعض مجرد أرقام وجداول، ولكن خلف هذه الأرقام تتدفق رواية أسمى؛ رواية شعبٍ اجتاز عاماً عصيباً ومليئاً بالتوتر، فجاء رياضيوها، لا بالكلمات هذه المرة، بل بالجهد والإصرار في الميادين، ليرسموا ملامح هذه الرواية.

لقد عاشت الرياضة الإيرانية في العام المنصرم ظروفاً تختلف عن دورات الإعداد المعتادة؛ فالحرب، والتهديدات، والضغوط الاقتصادية، والعقوبات، وإلغاء أو تقليص بعض المعسكرات التدريبية، واضطراب البرامج، كلها كانت حقائق أثرت على مسار تحضير المنتخبات الوطنية.

في ظل هذه الظروف، لم يخرج الرياضيون الإيرانيون للميدان من أجل الميداليات فحسب، بل كانوا رُواة لتلك الأيام التي استمر فيها شعبٌ كامل في مواصلة طريقه رغم كل الصعاب، صامداً ولم ينحنِ.

وفي كل مرة كان فيها رياضي إيراني يعتلي منصة التتويج ويرفع علم بلادنا، كان جزء من هذه الرواية يكتمل؛ رواية تقول: يمكن للمرء أن يمر بأيام عسيرة، لكن لا يجب أن يتوقف عن السعي، ويمكن مواجهة القيود، لكن لا يجوز التخلي عن حلم النجاح.

وفي خضم ذلك، شكل تألق المرأة الرياضية فصلاً محورياً في هذه الرواية؛ فقد أثبتت فتيات إيران في ناغويا أن صمود الأمة له صوت واحد، تساهم فيه النساء والرجال معاً لرسم صورة إيران في ميادين الفخر.

كان رياضيو إيران في ناغويا ممثلين لجيلٍ تدرب في ظروف قاسية، واجه القلق والقيود، وحُرم من أجزاء من برامجه الإعدادية بسبب الحرب، لكنهم حين حانت لحظة الحقيقة، بذلوا كل طاقاتهم من أجل إيران. وهكذا أصبحت الميداليات الـ ٥٢، في الواقع، ٥٢ قطعة من رواية كبرى بدأت من قاعات المنافسة، لكن معناها تجاوز حدود الرياضة. لقد شهدنا “أوائل” تجاوزت حدود الميداليات، لتظهر ثمار التخطيط الذي لم يلتفت للتهديدات والحرب.

لذا، فإن قيمة هذا النجاح لا تكمن فقط في المركز السادس أو عدد الميداليات، بل في أن أمةً ما قد عرضت روايتها للعالم عبر ألسنة رياضييها؛ رواية الكفاح، والأمل، والصمود، والشموخ.

لق lـد قاتل رياضيو أطفال ورجال هذه الأرض، وتحدثوا في الميادين، ومع كل ميدالية وكل حضور، كبرت هذه الرواية، ومع كل مرة ارتفع فيها العلم الإيراني فوق منصة التتويج، ازداد اكتمالاً.

ربما بعد سنوات طويلة، حين يُتحدث عن ناغويا وميداليات إيران، فإن ما سيظل عالقاً في الأذهان ليس عدد الميداليات، بل تلك الرواية التي حملها الرياضيون معهم إلى “أرض الشمس المشرقة” وصرخوا بها في الميادين.

إنها رواية شعبٍ تجاوز الأيام العسيرة ولم يفقد الأمل، شعبٍ ذاق الضغط لكنه لم ينحنِ، وجيلٍ أثبت أنه يمكن الوقوف من أجل العلم في أصعب الظروف والقتال من أجل رفعة الوطن.

لم تكن ناغويا بالنسبة لإيران مجرد انتصار على خصم، بل كانت انتصاراً على الأيام الصعبة. ولعل الصورة الأكثر خلوداً لهذه البعثة ليست جدول الميداليات، بل تلك اللحظة التي وقف فيها الرياضي الإيراني على منصة الفخر، ونظر إلى علم بلاده، وبدون أن ينطق بكلمة، روى كل ما مر به شعبٌ كامل في عامٍ عصيب.

لقد حصدوا الميداليات، لكن الأهم من ذلك، أنهم رووا للعالم أن إيران لا تزال صامدة.

رأيك
captcha