اليوم العالمي للطفل.. لننظر إلى العالم من مستوى عيون الأطفال
سعیده کریمي- يحلّ اليوم العالمي للطفل كل عام ليذكّر العالم بجيل ستحدد قرارات الحاضر جانباً كبيراً من مستقبله. جيل لا يتحمل مسؤولية الحروب والفقر والهجرة والعنف وعدم المساواة، لكنه غالباً ما يكون من أول من يدفع ثمنها.
ومن هنا، لا ينبغي اختزال هذه المناسبة في التهاني والفعاليات الاحتفالية، بل النظر إليها باعتبارها فرصة لطرح سؤال أكثر عمقاً: إلى أي مدى يصلح العالم الذي بناه الكبار لحياة الأطفال؟
حقوق لا ينبغي أن تكون موسمية
في عام 1954، دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة الدول إلى تخصيص يوم عالمي للطفل لتعزيز رفاه الأطفال وحقوقهم. واكتسب 20 نوفمبر/تشرين الثاني أهمية خاصة، إذ اعتمدت الأمم المتحدة إعلان حقوق الطفل عام 1959، ثم اتفاقية حقوق الطفل عام 1989.
وتؤكد الاتفاقية حقوقاً أساسية تشمل الحياة والنمو والتعليم والصحة والهوية والأمن والحماية من العنف والاستغلال، إلى جانب حق الطفل في التعبير عن رأيه في القضايا التي تمس حياته.
لكن الفجوة بين الاعتراف بهذه الحقوق وتطبيقها ما زالت قائمة. فقد يذهب الطفل إلى المدرسة من دون تعليم جيد، ويعيش في منزل من دون الشعور بالأمان، ويمتلك هاتفاً ذكياً من دون حماية كافية من مخاطر العالم الرقمي.
وهنا تتحول حقوق الطفل من نصوص قانونية إلى سؤال يتعلق بتفاصيل الحياة اليومية.
أطفال في مواجهة أزمات لم يصنعوها
الحروب والنزوح والفقر والكوارث والأزمات الاقتصادية قادرة على تغيير حياة الطفل خلال لحظات.
فما يراه الكبار أزمة سياسية أو اقتصادية قد يعني بالنسبة إلى الطفل مدرسة لم يعد يستطيع الذهاب إليها، أو منزلاً اضطر إلى مغادرته، أو صديقاً فقده، أو ليلة لا يستطيع النوم فيها بأمان.
ولا يختلف الأمر كثيراً مع الفقر. فالفقر بالنسبة إلى الطفل لا يعني فقط انخفاض دخل الأسرة، بل قد يعني سوء التغذية، والتسرب من التعليم، وضعف الرعاية الصحية والحرمان من الأنشطة الثقافية والرياضية، وأحياناً الدخول المبكر إلى سوق العمل.
ولهذا فإن قضية الأطفال العاملين لا يمكن اختزالها في مشاهد الشوارع وإشارات المرور، بل ترتبط بشبكة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية التي تحتاج إلى حلول متكاملة ومستدامة.
جيل الشاشات
تغيرت الطفولة أيضاً مع الثورة الرقمية. فالهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية وشبكات التواصل ومنصات الفيديو أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لملايين الأطفال.
وقد وفرت التكنولوجيا فرصاً كبيرة للتعلم والإبداع والوصول إلى المعرفة، لكنها حملت معها تحديات جديدة، من التنمر الإلكتروني والمحتوى غير المناسب إلى المعلومات المضللة والمقارنة المستمرة مع الصور المثالية التي تقدمها شبكات التواصل.
ولهذا لم يعد الوعي الرقمي ترفاً. فكما نعلم الطفل كيفية عبور الشارع بأمان، علينا أن نعلمه أيضاً كيفية عبور العالم الرقمي بأمان.
عندما تتحول الطفولة إلى سباق
يواجه كثير من الأطفال اليوم نوعاً آخر من الضغط: ضغط النجاح المبكر.
الدروس الإضافية، واللغات، والرياضة، والموسيقى، والاختبارات والمسابقات قد تكون مفيدة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول يوم الطفل كله إلى جدول مزدحم هدفه ألا «يتأخر عن الآخرين».
فالطفل ليس مشروعاً لإنتاج شخص بالغ ناجح.
اللعب والخيال وتكوين الصداقات والتجربة والفشل وامتلاك وقت حر كلها أجزاء أساسية من النمو. والطفل الناجح ليس بالضرورة صاحب أعلى الدرجات، بل من يمتلك أيضاً الصحة النفسية والثقة بالنفس والقدرة على التواصل والإبداع والشعور بالأمان.
هل مدننا صديقة للأطفال؟
المدينة الصديقة للطفل ليست مجرد مدينة تحتوي على الحدائق والملاعب الملونة.
الأرصفة الآمنة، والقدرة على عبور الشوارع دون خوف، والمساحات الخضراء، والنقل المناسب، والمكتبات والمراكز الثقافية، والأماكن العامة المتاحة للعائلات، كلها جزء من حق الطفل في المدينة.
ويكفي أحياناً أن ننظر إلى الشارع من مستوى عيون طفل لندرك الفارق. فالسيارة التي تبدو للكبير جزءاً عادياً من الطريق قد تكون بالنسبة إلى طفل صغير جداراً معدنياً يحجب رؤيته، والشارع الذي يعبره البالغ بسهولة قد يمثل للطفل مساحة مليئة بالخطر.
لذلك فإن تصميم مدينة مناسبة للأطفال يعني في الحقيقة بناء مدينة أكثر إنسانية للجميع.
الأطفال مواطنو الحاضر أيضاً
نردد كثيراً أن «الأطفال هم صناع المستقبل»، لكن الأطفال ليسوا مواطني المستقبل فقط؛ إنهم مواطنو الحاضر أيضاً.
لديهم اليوم احتياجات وآراء وحقوق يجب الاستماع إليها.
وربما يكون الطريق الأبسط لفهم احتياجاتهم هو سؤالهم مباشرة: ماذا يريدون من مدارسهم؟ ما الذي يخيفهم في أحيائهم؟ أين يحبون اللعب؟ وما الذي سيغيرونه في مدينتهم لو أتيحت لهم الفرصة؟
الاستماع إلى الطفل ليس مجاملة، بل جزء من الاعتراف بحقوقه.
الأسرة والمدرسة.. شريكان في حماية الطفولة
تبقى الأسرة البيئة الأولى لنمو الطفل، لكن حماية الأطفال ترتبط أيضاً بقدرة الأسر على توفير بيئة مستقرة وآمنة. فالضغوط الاقتصادية والمهنية والنفسية التي يتعرض لها الوالدان تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الأطفال.
وفي الوقت نفسه، تمثل المدرسة أول مجتمع رسمي يختبره الطفل خارج الأسرة.
ودورها لا ينبغي أن يقتصر على الدرجات والامتحانات؛ فالاحترام والحوار والتعاون وقبول الاختلاف وحل المشكلات مهارات لا تقل أهمية عن المواد الدراسية.
المدرسة الجيدة هي المكان الذي يستطيع فيه الطفل أن يسأل دون خوف، وأن يخطئ دون إهانة، وأن يتعلم كيف يكتشف العالم.
اللعب حق وليس ترفاً
وسط الحديث عن التعليم والمستقبل، قد ننسى أحد أبسط حقوق الطفل: اللعب.
فالطفل أثناء اللعب يتعلم التعاون والتفاوض وقبول الخسارة والمحاولة من جديد وحل المشكلات واستخدام الخيال. وكثير من المهارات التي يحتاج إليها الإنسان في حياته تبدأ في ساحة اللعب.
ولهذا فإن توفير الوقت والمساحة الآمنة للعب ليس أمراً هامشياً، بل جزء أساسي من النمو الصحي للطفل.
أطفال يحتاجون إلى أن نراهم أكثر
لا يكتسب اليوم العالمي للطفل معناه الحقيقي إذا تحدثنا فقط عن الأطفال الذين يعيشون في ظروف مستقرة.
فالأطفال ذوو الإعاقة، والأطفال العاملون، والمهاجرون واللاجئون، والأطفال المحرومون من الرعاية الأسرية، ومن يعيشون في المناطق الفقيرة أو يواجهون العنف، يحتاجون إلى اهتمام وحماية أكبر.
كما أن العنف ضد الأطفال لا يقتصر على الاعتداء الجسدي؛ فالتهديد والإهانة والإهمال والعنف النفسي والاستغلال يمكن أن تترك آثاراً عميقة تمتد إلى سنوات طويلة.
ومن هنا، فإن حماية الطفل تبدأ بالتوعية، لكنها تحتاج أيضاً إلى بالغين قادرين على الإصغاء عندما يتحدث الطفل عن خوفه أو مشكلاته.
لعل السؤال موجّه إلى الكبار
في اليوم العالمي للطفل يتحدث الكبار كثيراً عن الأطفال، لكن ربما ينبغي أن نسأل أنفسنا: ماذا لو تحدث الأطفال عنا؟
هل يرون فينا أشخاصاً يستمعون إليهم أم بالغين مشغولين دائماً؟ هل جعلنا المدرسة مكاناً للتعلم أم للمنافسة فقط؟ هل مدننا آمنة بالنسبة إليهم؟ وهل استخدمنا التكنولوجيا لمساعدتهم على النمو أم تركناهم وحدهم أمام شاشاتها؟
والأهم: هل منحناهم حقهم في أن يكونوا أطفالاً؟
المستقبل ليس بعيداً؛ إنه يتشكل الآن في المنازل والمدارس وساحات اللعب وشوارع المدن وخلف شاشات الهواتف.
فالطفل الذي يحصل اليوم على الأمان والتعليم والمحبة واللعب والحق في التعبير، يمتلك غداً فرصاً أفضل لبناء نفسه ومجتمعه.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد انتهاء اليوم العالمي للطفل هو:
هل العالم الذي نبنيه اليوم هو العالم الذي نريد لأطفالنا أن يعيشوا فيه غداً؟
ربما تكون البداية في أن ننظر إلى هذا العالم، ولو للحظات، من مستوى عيون الأطفال.