تراث أحياء طهران؛

البحث عن طهران القديمة في أزقة حي الإمام زاده يحيى

|
۲۰۲۶/۱۰/۱۱
|
۱۵:۴۳:۰۲
| رمز الخبر: ۳۳۲۰
امامزاده یحیی
وسط صخب طهران المعاصرة، لا تزال هناك أزقة يمكن للمرء أن يعثر بين منعطفاتها على آثار طهران أخرى؛ مدينة ببيوتها المبنية من الطوب، وأفنيتها القديمة، وأبوابها الخشبية، وجيرانها الذين كانت حياتهم اليومية تجري على بُعد خطوات بعضهم من بعض. ويُعد حي الإمام زاده يحيى، الواقع في قلب منطقة عودلاجان التاريخية، أحد هذه الأركان التي تحتفظ بملامح طهران القديمة.

مريم نباتي – وسط صخب طهران المعاصرة، لا تزال هناك أزقة يمكن للمرء أن يعثر بين منعطفاتها على آثار طهران أخرى؛ مدينة ببيوتها المبنية من الطوب، وأفنيتها القديمة، وأبوابها الخشبية، وجيرانها الذين كانت حياتهم اليومية تجري على بُعد خطوات بعضهم من بعض. ويُعد حي الإمام زاده يحيى، الواقع في قلب منطقة عودلاجان التاريخية، أحد هذه الأركان التي تحتفظ بملامح طهران القديمة.

وللوصول إلى هذا الحي، لا بد من عبور الشوارع المزدحمة في وسط طهران، والدخول إلى منطقة تختلف فيها وتيرة الحياة عن الأجزاء الصاخبة والمكتظة من المدينة. هنا، يروي كل زقاق وكل منزل جانباً من حكاية حي شهد على مر السنين التحولات التي مرت بها العاصمة الإيرانية.

ضريح منح الحي اسمه

يقع حي الإمام زاده يحيى في المنطقة البلدية الثانية عشرة من طهران، ضمن النطاق التاريخي لعودلاجان، التي كانت تُعد من أقدم أحياء العاصمة وأهمها.

وكانت عودلاجان في الماضي جزءاً من النسيج السكني لطهران، حيث ارتبطت الحياة اليومية فيها بالمنازل ذات الطابع الداخلي، والممرات المحلية، والمراكز الدينية، والفضاءات العامة.

وقد نشأ حي الإمام زاده يحيى في قلب هذا النسيج التاريخي، واحتضن تدريجياً مجموعة من المنازل والأزقة والمباني الدينية والعامة، وهي عناصر لا تزال آثارها واضحة في المشهد العمراني للحي حتى اليوم.

ويُعد ضريح الإمام زاده يحيى، الواقع بين أزقة الحي، أحد أبرز معالم هويته التاريخية والدينية. وقد ارتبط اسم الحي بهذا الضريح عبر الزمن، حتى أصبح أحد المواقع المعروفة في منطقة عودلاجان.

والإمام زاده يحيى هو ضريح تاريخي يُنسب إلى أبي القاسم عز الدين يحيى، ويقع في زقاق يحمل الاسم نفسه.

ويمتد الحي بين شارع ري وشارع مصطفى خميني، المعروف سابقاً باسم سيروس، من الشرق إلى الغرب، وبين شارعي أمير كبير و15 خرداد، الذي كان يُعرف سابقاً باسم بوذرجمهري، من الشمال إلى الجنوب.

وكانت منطقة عودلاجان في الماضي أوسع مساحة، إذ امتدت من شارع ناصر خسرو إلى شارع ري.

ويعود تاريخ بناء ضريح الإمام زاده يحيى إلى نحو 800 عام، أي إلى عهد الدولة الخوارزمية. وقد شهد الضريح خلال القرون الماضية تغييرات وعمليات ترميم متعددة، ويُعد من المباني التاريخية في طهران.

وجرت إحدى عمليات ترميمه عام 1352 وفق التقويم الهجري الشمسي، حيث أُعيد ترميم قبته الفيروزية المزينة بالبلاط الخزفي، بعدما تعرضت للتآكل بفعل مرور الزمن.

وكان هذا الحي يُعرف في الخرائط القديمة لطهران باسم «باغ پسته‌بيگ»، وهي منطقة كانت تتميز بمساحاتها الخضراء وأشجارها المعمرة، وقد تشكلت الساحة الرئيسية للحي الحالي في موقعها.

وتُشكل الأزقة القديمة والمباني التاريخية والمعالم المتبقية من الماضي جزءاً من هوية الحي، إذ تروي جانباً من تاريخ الحياة في طهران القديمة.

وبجوار الضريح، تقف شجرة دلب معمرة تشير الروايات المحلية إلى أن عمرها يبلغ نحو 900 عام.

ويبلغ قطر هذه الشجرة سبعة أمتار، وقد أُدرجت ضمن قائمة التراث الوطني الإيراني. ويمنح وجودها إلى جانب المبنى الديني طابعاً مميزاً لهذه المنطقة، فهي شجرة شهدت تحولات المدينة على مدى قرون طويلة، ولا تزال جزءاً من المشهد المألوف للحي.

ولا يقتصر التاريخ في حي الإمام زاده يحيى على الضريح والشجرة المعمرة، بل تشكل المنازل القديمة وبقايا العمارة التقليدية جانباً مهماً من هويته.

وتقدم هذه المنازل، من خلال تصميم أفنيتها ونوافذها ومداخلها وجدرانها، صورة عن أسلوب الحياة في طهران القديمة.

ومن أبرز المنازل والمباني المعروفة في الحي سراي كاظمي، ومنزل دبير الملك، ومنزل مهرانگيز كامبيز، وحمام نواب، ومنزل وثوق الدولة، ومتحف منزل آية الله مدرس، ومدرسة معمارباشي الدينية.

وكانت المنازل التقليدية في هذا الحي، شأنها شأن سائر منازل طهران القديمة، تُبنى عادة حول فناء مركزي تحيط به الغرف.

ولم يكن هذا النمط المعماري يهدف إلى توفير الضوء والتهوية فحسب، بل ارتبط أيضاً بطبيعة الحياة الأسرية وأهمية الخصوصية.

وكان مدخل المنزل يشكل فاصلاً بين الزقاق والفضاء الداخلي، فيما كان الفناء يمثل مركز الحياة اليومية لأفراد الأسرة.

لكن المنازل القديمة في هذه المنطقة لا تتمتع اليوم جميعها بالظروف نفسها؛ فقد طرأت تغييرات على بعضها، بينما احتفظ بعضها الآخر بمعالم من العمارة التقليدية، في حين تحتاج منازل أخرى إلى العناية والترميم.

وقد تشكلت أزقة حي الإمام زاده يحيى، شأنها شأن العديد من الممرات القديمة في طهران، وفق مقياس عمراني يختلف عن الشوارع الواسعة والمزدحمة في المدينة الحديثة.

وكانت هذه الأزقة في الماضي طرقاً للحركة اليومية للسكان، تربط بين المنازل والمباني الدينية والفضاءات العامة.

ولا تزال هذه المنطقة اليوم جزءاً من الحياة النابضة في المدينة؛ إذ تتجاور حركة السكان وأنشطتهم اليومية واحتياجات الحي السكني مع المباني التاريخية.

وهذا التداخل يمنح الإمام زاده يحيى هوية أكثر تعقيداً من مجرد مجموعة من الآثار التاريخية، لأن الماضي هنا يمتزج بالحياة المعاصرة.

آثار الزمن على النسيج التاريخي

إلى جانب المنازل والمباني ذات القيمة التاريخية في حي الإمام زاده يحيى، تظهر أيضاً علامات التقادم والتدهور في أجزاء من النسيج السكني.

فقد أدت عوامل الزمن والحاجة إلى الإصلاح والترميم إلى مواجهة بعض المنازل القديمة تحديات متعددة، وهي مبانٍ تشكل جزءاً من الهوية التاريخية لطهران، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بتلبية متطلبات الحياة المعاصرة.

ولا تقتصر العناية بهذا النسيج العمراني على ترميم عدد من المنازل التاريخية، بل تشمل أيضاً سلامة المباني، وجودة الممرات والشوارع، وتحسين الظروف المعيشية للسكان.

ولن تنجح عمليات التجديد في حي من هذا النوع إلا إذا تمكنت من تحسين حياة السكان مع الحفاظ على هويته المعمارية والتاريخية.

فاستمرار حي الإمام زاده يحيى لا يعتمد على صون معالمه البارزة فحسب، بل يرتبط أيضاً بالحفاظ على المنازل والأزقة التي أسهمت في تشكيل هويته.

البحث عن طهران القديمة في الإمام زاده يحيى

في طهران اليوم، التي تشهد باستمرار مشاريع بناء جديدة وتحولات عمرانية واسعة، يمثل حي الإمام زاده يحيى فرصة لاكتشاف الوجه الذي توارى من ملامح المدينة.

يمكن العثور على هذا الوجه في الضريح الذي منح الحي اسمه، وفي شجرة الدلب المعمرة، وفي الأزقة المتعرجة، وفي المنازل التي عبرت من الماضي إلى الحاضر.

لكن الحفاظ على هذا التراث وتطوير السياحة فيه يجب ألا يكونا على حساب حياة السكان أو أن يدفعا باحتياجاتهم إلى الهامش.

فالحي التاريخي يبقى حياً عندما يستطيع الناس مواصلة حياتهم فيه، وعندما تتوافر للمباني القديمة إمكانات الاستخدام والصيانة مع الالتزام بمبادئ الحماية والحفاظ على التراث.

ويُعد تحقيق هذا التوازن أحد الشروط الأساسية لاستدامة الأحياء التاريخية، مثل حي الإمام زاده يحيى، وصون هويتها للأجيال المقبلة.

رأيك
captcha