التحول نحو موسكو.. سلام أم حسابات انتخابية؟
وأفادت وكالة برنا للأنباء، أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استيراد الوقود الروسي إلى الولايات المتحدة يمثل مؤشراً على تحول ملحوظ في نهج واشنطن تجاه موسكو والحرب في أوكرانيا، وهو تحول يبرز بصورة متزايدة أهمية ورقة الطاقة في الحسابات السياسية للبيت الأبيض، عشية انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
وعقب هذا التطور، أعلن ترامب التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا في قطاع الطاقة.
وكتب الرئيس الأمريكي على منصته «تروث سوشال»: «اعتباراً من هذه اللحظة، يسري وقف لإطلاق النار في قطاع الطاقة ضمن الحرب بين روسيا وأوكرانيا».
وأضاف أن الطرفين وافقا على هذا الاتفاق، محذراً إياهما بالقول: «لا تنتهكوا الاتفاق!».
ويأتي قرار ترامب شراء الطاقة من روسيا في وقت كان قد مهّد فيه سابقاً، من خلال توقيع قانون، الطريق أمام فرض عقوبات ورسوم جمركية جديدة على الدول التي تستورد النفط والغاز الروسيين، في خطوة قيل إن هدفها زيادة الضغوط الاقتصادية على الكرملين.
ومع ذلك، يقول ترامب الآن إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وافق على توريد مئات الآلاف من الأطنان من وقود الديزل إلى الولايات المتحدة والأسواق العالمية خلال الأشهر المقبلة.
ويثير هذا التطور، إلى جانب الانتقادات المتزايدة التي يوجهها ترامب إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، تساؤلات بشأن مدى التزام واشنطن بسياستها السابقة تجاه كييف، ولا سيما أن الرئيس الأمريكي اتهم زيلينسكي مؤخراً بالفشل في إنهاء الحرب، ودعا إلى انتخاب رئيس جديد لأوكرانيا.
تحديات الطاقة
في غضون ذلك، ألقت الضغوط الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة بظلالها على حسابات الإدارة الأمريكية.
فقد أدى تصاعد التوترات في الشرق الأوسط واضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار الوقود، وزيادة الاستياء الشعبي من تكاليف المعيشة.
كما أن تراجع شعبية ترامب نتيجة ارتفاع أسعار البنزين وانتقال ضغوط الطاقة إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد، وضع البيت الأبيض أمام تحدٍّ سياسي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وفي ظل هذه الظروف، يمكن النظر إلى التقارب مع موسكو لتأمين إمدادات الوقود باعتباره محاولة لاحتواء الضغوط في أسواق الطاقة.
غير أن هذا التوجه، الذي يتزامن مع ابتعاد ترامب عن مواقفه السابقة بشأن الحرب الأوكرانية، أثار مخاوف من احتمال تراجع الدعم الأمريكي لكييف.
وهكذا، لم تعد الطاقة مجرد أداة لإدارة الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة، بل تحولت أيضاً إلى عامل مؤثر في العلاقات بين واشنطن وموسكو، وفي مستقبل الحرب الأوكرانية.
وقف الهجمات
وفي هذا السياق، نقلت قناة الجزيرة عن الرئيس الأمريكي قوله إن روسيا وأوكرانيا وافقتا على وقف إطلاق النار فيما يتعلق بالهجمات على منشآت الطاقة، على أن يدخل الاتفاق حيز التنفيذ فوراً.
ويبدو أن الرئيس الأوكراني كان قد اقترح، تحت ضغوط ترامب، وقفاً متبادلاً للهجمات على البنية التحتية للطاقة.
وكان زيلينسكي قد أعلن استعداد كييف لوقف هجماتها على مصافي النفط الروسية، شريطة أن توقف موسكو بدورها هجماتها على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا.
ويأتي ذلك في وقت تُعد فيه الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط والبنية التحتية النفطية الروسية أحد أبرز أسباب تصاعد التوتر بين ترامب وزيلينسكي.
وتستخدم كييف الهجمات بعيدة المدى لإلحاق الضرر بقدرة روسيا على توفير الوقود، وتقليص عائداتها من الطاقة، وإضعاف الدعم اللوجستي لجيشها.
لكن ترامب حذّر زيلينسكي في تصريحاته الأخيرة من مواصلة استهداف المصافي النفطية.
ويستند موقفه إلى أن تراجع إمدادات المشتقات النفطية الروسية قد يؤدي إلى اضطرابات في سوق الوقود العالمية، ويفرض ضغوطاً إضافية على المستهلكين الأمريكيين.
رد حاسم من زيلينسكي
على الجانب الآخر، رد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على تصريحات دونالد ترامب بشأن ضرورة انتخاب رئيس جديد لأوكرانيا، مؤكداً أن الشعب الأوكراني وحده هو من يختار قائده.
ودعا زيلينسكي الرئيس الأمريكي إلى ممارسة الضغوط على فلاديمير بوتين لوقف الهجمات العسكرية ضد أوكرانيا، بدلاً من توجيه الانتقادات إلى كييف.
ونقلت الجزيرة عن زيلينسكي قوله: «على ترامب أن يطلب من بوتين عدم مهاجمتنا، حتى نوقف نحن أيضاً هجماتنا على منشآت الطاقة الروسية».
وكان الرئيس الأمريكي قد تحدث، في أحدث تصريحاته بشأن الحرب الأوكرانية، عن ضرورة انتخاب رئيس جديد لهذا البلد، معتبراً أن فولوديمير زيلينسكي أضاع مراراً فرص إنهاء الحرب مع روسيا.
استراتيجية لم تكتمل بعد
في المجمل، يمكن النظر إلى قرار ترامب التقارب مع موسكو في مجال الطاقة باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، واحتواء أزمة الطاقة في الولايات المتحدة في الوقت نفسه.
وتحتل اعتبارات خفض التكاليف الاقتصادية للحرب والسيطرة على أسعار الوقود، إلى جانب الحسابات الانتخابية، مكانة محورية في هذه الاستراتيجية.
ومن هذا المنطلق، فإن رغبة واشنطن في تأمين الوقود من روسيا، ومساعيها للتوصل إلى وقف لإطلاق النار يشمل الهجمات على البنية التحتية للطاقة، تشيران إلى أن إدارة ترامب باتت أكثر ميلاً إلى الفصل بين مصالحها الاقتصادية والمواجهة المباشرة مع موسكو.
وقد يسهم هذا النهج في تخفيف التوترات مؤقتاً، لكنه يزيد في المقابل المخاوف بشأن تراجع الدعم الأمريكي لأوكرانيا.
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى يمكن لهذه السياسة أن تؤدي إلى إنهاء الحرب بصورة فعلية.
فوقف الهجمات على منشآت الطاقة، حتى في حال التزام الطرفين به، لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق بشأن القضايا الجوهرية للنزاع، بما في ذلك الخلافات الإقليمية والضمانات الأمنية.
وفضلاً عن ذلك، فإن التباين الواضح بين مواقف ترامب وزيلينسكي، واستمرار انعدام الثقة بين موسكو وكييف، قد يجعلان الطريق نحو التوصل إلى اتفاق دائم أكثر تعقيداً.
وبناءً على ذلك، ورغم أن دبلوماسية الطاقة قد تمثل مدخلاً لخفض التصعيد، فإن نجاحها في إنهاء الحرب سيظل مرهوناً بمدى قدرة واشنطن على ربط مصالحها الاقتصادية والسياسية باتفاق يحظى بقبول الأطراف المتنازعة.