الترويكا الأوروبية تدخل على خط الأزمة بمبادرة من مرحلتين
وأفادت وكالة برنا للأنباء، أن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاستياء الاجتماعي واتساع الاحتجاجات في الدول الأوروبية، إلى جانب المخاوف المتزايدة بشأن تداعيات استمرار المواجهة الإيرانية الأمريكية على الاقتصاد وأسواق الطاقة، أعاد ضرورة التحرك الدبلوماسي لاحتواء الأزمة إلى دائرة اهتمام العواصم الأوروبية.
وفي هذه الظروف، تدرس ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وهي الدول الثلاث المعروفة باسم «الترويكا الأوروبية»، مبادرة من مرحلتين لتقديمها إلى طهران وواشنطن، تسعى من خلالها إلى تمهيد الطريق أمام المفاوضات النووية وتخفيف العقوبات، عبر التوصل إلى اتفاق بشأن مضيق هرمز وإنهاء القيود البحرية.
ومع ذلك، وبالتوازي مع المساعي الأوروبية للاضطلاع بدور الوسيط، تشير مواقف المسؤولين الإيرانيين إلى أن طهران لا تزال تشكك في النهج السياسي لهذه الدول ومدى استقلالية قراراتها عن واشنطن.
تحذير طهران لبرلين
بالتزامن مع هذه التحركات الدبلوماسية، أفادت وكالة فارس للأنباء بأن طهران حذرت، على خلفية تصاعد المواقف الألمانية المناهضة لإيران، من تداعيات الانخراط المباشر لألمانيا في النزاع العسكري، مؤكدة أن المنشآت والمعسكرات المرتبطة بهذا البلد في المنطقة قد تندرج ضمن إطار الدفاع المشروع لإيران.
ونشر إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، رسالة على منصة «إكس»، رداً على ما وصفه بالمواقف المتناقضة وغير المسؤولة لألمانيا وشركائها الأوروبيين إزاء العدوان العسكري الأمريكي والإسرائيلي على إيران.
وكتب بقائي: «في يونيو 2025، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، بشأن العدوان العسكري الإسرائيلي على إيران، إن هذا هو العمل القذر الذي تقوم به إسرائيل نيابة عنا جميعاً».
وأضاف: «والآن، في أكتوبر 2026، يحذر وزير الخارجية الألماني، إلى جانب وزراء خارجية عدد من الدول الأوروبية الأخرى، من شن هجوم جديد على إيران، ويؤكدون ضرورة احتواء التوتر».
وتابع المتحدث باسم الخارجية الإيرانية مستشهداً بما قاله الفيلسوف والشاعر الألماني الشهير فريدريش شيلر في مسرحية «عذراء أورليان» (الفصل الثالث، المشهد السادس):
«أيتها الحكمة السامية، أيتها الابنة المستنيرة ذات السر الإلهي، أيتها المؤسسة الحكيمة للعالم وهادية النجوم؛ فماذا تكونين إذا رُبطتِ بذيل حصان الجنون الجامح، وجُررتِ معه، عاجزةً صارخةً، إلى هاوية السقوط وهو في حالة من الهياج؟».
من مضيق هرمز إلى الملف النووي
وفقاً للتقارير المنشورة بشأن المقترح الأوروبي، فإن المبادرة التي تدرسها الترويكا الأوروبية تتألف من مرحلتين.
تركز المرحلة الأولى على التوصل إلى اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز ورفع جزء من القيود البحرية، وهي خطوة من شأنها تخفيف الضغوط على أسواق الطاقة وتهيئة الظروف لإجراء محادثات أوسع نطاقاً.
أما المرحلة الثانية، فتتضمن المضي في المفاوضات النووية استناداً إلى مبادئ الاتفاق النووي لعام 2015، بما يشمل تقييد تخصيب اليورانيوم ضمن إطار زمني محدد، وإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ودراسة إمكانية تخفيف جزء من العقوبات وتسوية ملف الأصول الإيرانية المجمدة.
وبحسب الإطار الأولي لهذه المبادرة، سيتم في مقابل الإجراءات التي تتخذها إيران رفع جزء من العقوبات وإنهاء الحصار بصورة كاملة.
ومن المقرر تنفيذ هذه الإجراءات في إطار آلية تُصاغ على أساس الاتفاق النووي لعام 2015، الذي انسحب منه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى.
تشكك طهران في النهج الأوروبي
في مقابل هذه التحركات، قال سعيد خطيب زاده، نائب وزير الخارجية الإيراني، للصحفيين يوم الأحد الثالث من آبان (25 أكتوبر)، تعليقاً على المقترح الأوروبي لإجراء مفاوضات، إن الدول الأوروبية اتخذت خلال الأشهر الماضية خيارات خاطئة، وهي تواجه الآن تداعيات قراراتها.
وأكد خطيب زاده أن على أوروبا أن تنأى بنفسها عما تقوم به الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، مشيراً إلى أنه ما لم يُلاحظ مثل هذا التغيير في نهج هذه الدول، فسيكون من الصعب الحديث عن ظهور أوروبا مختلفة.
ويشير هذا الموقف إلى أنه من وجهة نظر طهران، فإن مجرد تقديم مقترح للتفاوض لا يكفي لاستعادة مصداقية أوروبا، بل ينبغي أن يقترن الدور الدبلوماسي لهذه الدول بتغيير ملموس في سياساتها الإقليمية.
أزمة تكاليف المعيشة
إلى جانب الاعتبارات السياسية، أصبحت الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب أحد العوامل المؤثرة في توجهات الحكومات الأوروبية.
وحذر إد ميليباند، وزير الخارجية البريطاني، مشيراً إلى أن أزمة تكاليف المعيشة لا تزال من أبرز هواجس المواطنين البريطانيين، من أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع فواتير الطاقة وأسعار المواد الغذائية وتفاقم التضخم.
كما شدد على ضرورة بذل الجهود لإنهاء الصراع، وتحدث عن متابعة هذا الملف خلال المشاورات في إسطنبول بمشاركة مسؤولين أوروبيين ومن الشرق الأوسط.
وفي فرنسا أيضاً، تداخلت التداعيات الاقتصادية للأزمة الإقليمية مع الاحتجاجات الداخلية.
فقد أجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال الفترة من 19 إلى 21 أكتوبر، زيارة إلى عدد من دول الخليج، من بينها الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر.
وشملت المحاور الرئيسية لهذه الزيارة تأمين النفط والوقود، وتعزيز التعاون الاقتصادي والدفاعي، والتشاور بشأن استقرار المنطقة وحرية الملاحة في مضيق هرمز.
وسعت باريس خلال هذه المشاورات إلى ضمان مصادر إضافية للطاقة وتقليل تعرضها للاضطرابات في مسارات نقل الوقود، وذلك في وقت أسهم فيه ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة في تأجيج الاستياء الاجتماعي داخل فرنسا.
وتشير هذه التطورات إلى أن المساعي الأوروبية لاحتواء الأزمة بين إيران والولايات المتحدة لا تقتصر على الاعتبارات الأمنية، بل ترتبط أيضاً بالمخاوف الاقتصادية والضغوط الداخلية.
فاستمرار اضطراب نقل الطاقة من الخليج يمكن أن يزيد التكاليف الاقتصادية للحرب بالنسبة إلى الدول الأوروبية، ويعزز دوافعها للبحث عن مخرج دبلوماسي.
اختبار مصداقية أوروبا
ومع ذلك، فإن تجربة الاتفاق النووي لعام 2015 تضع سؤالاً أساسياً أمام المبادرة الأوروبية الجديدة: هل تستطيع الدول الأوروبية، في حال التوصل إلى اتفاق جديد، تنفيذ التزاماتها الاقتصادية ومنع تكرار التجربة السابقة؟
فبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، أعلنت الدول الأوروبية رغبتها في الحفاظ على الاتفاق، وسعت إلى استمرار التبادلات الاقتصادية مع إيران.
كما أُطلقت آلية «إنستكس» عام 2019 بهدف تسهيل التجارة بين إيران وأوروبا، غير أن هذه الآلية لم تتمكن من تحقيق تطبيع واسع للعلاقات الاقتصادية، وانتهى عملها في نهاية المطاف عام 2023.
وكانت القيود الناجمة عن العقوبات الأمريكية الثانوية، ومخاوف الشركات والبنوك الأوروبية من التعرض للعقوبات التي تفرضها واشنطن، من أبرز أسباب إخفاق تلك الجهود.
ومن هنا، تواجه المبادرة الأوروبية الجديدة عقبتين أساسيتين: الأولى، انعدام ثقة طهران بقدرة الدول الأوروبية على تنفيذ التزاماتها الاقتصادية بصورة مستقلة عن الولايات المتحدة؛ والثانية، صعوبة التوصل إلى اتفاق مستدام في ظل الخلافات بين الطرفين بشأن ترتيب تنفيذ الالتزامات والضمانات المطلوبة.
وفي المحصلة، منحت الأزمة الاقتصادية في أوروبا وتداعيات الحرب العواصم الأوروبية دوافع إضافية لتكثيف تحركاتها الدبلوماسية.
غير أن تجربة الاتفاق النووي تُظهر أن مجرد تقديم مبادرة لا يكفي لضمان نجاحها.
وسيتوقف مصير المبادرة الجديدة على مدى قدرة أوروبا على تجاوز مستوى المقترحات السياسية، والاضطلاع بدور أكثر فاعلية في تنفيذ الالتزامات الاقتصادية، وفي الوقت نفسه كسب ثقة طهران وواشنطن للدخول في مسار تفاوضي مستدام.