الأمن الإقليمي الذاتي.. الحلقة المفقودة لتحقيق الاستقرار في غرب آسيا

|
۲۰۲۶/۱۰/۲۸
|
۱۲:۲۷:۰۱
| رمز الخبر: ۳۴۴۱
غرب آسیا
عاد التأكيد على ضرورة بناء منظومة أمنية إقليمية تعتمد على دول المنطقة نفسها، وتقليص الاعتماد على القوى الخارجية، إلى صدارة التحركات الدبلوماسية في غرب آسيا، في ظل تداعيات الحرب الأخيرة وتصاعد الدعوات إلى إرساء ترتيبات أمنية مشتركة تضمن الاستقرار المستدام.

وأفادت وكالة برنا للأنباء أنه في ظل استمرار تداعيات الحرب الأخيرة على المعادلات الأمنية في غرب آسيا، باتت الحاجة إلى إعادة النظر في آليات ضمان الأمن الإقليمي تحظى باهتمام متزايد.

وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي أنه لا يمكن إقامة أي منظومة أمنية مستدامة في الخليج دون مشاركة إيران، داعياً إلى إسناد المسؤولية الأساسية عن أمن المنطقة إلى دولها.

ويأتي هذا الموقف بالتزامن مع تأكيد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، ضرورة تحقيق الأمن الإقليمي بالاعتماد على القدرات الذاتية لدول المنطقة، وانعقاد الاجتماع الرباعي بين إيران وباكستان والسعودية وتركيا في طهران، ما أعاد ملف التعاون الإقليمي إلى صدارة المشهد الدبلوماسي.

وفي كلمة ألقاها بجامعة كامبريدج، اعتبر البوسعيدي أن استبعاد إيران من الترتيبات الأمنية في الخليج طوال ما يقارب نصف قرن خلّف تداعيات سلبية على المنطقة بأسرها.

وانتقد اعتماد دول المنطقة لفترات طويلة على القوى الخارجية، مؤكداً أن أولويات هذه القوى ومصالحها لا تتطابق بالضرورة مع المصالح المشتركة لدول المنطقة.

واقترح وزير الخارجية العُماني أن تعمل إيران والعراق والدول الست الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية على التوصل إلى اتفاقية لعدم الاعتداء، وإرساء إطار شامل للأمن الإقليمي.

ومن وجهة نظر مسقط، تزداد القضايا الإقليمية تعقيداً عندما يظل حلها مرهوناً بقرارات وتدخلات أطراف من خارج المنطقة.

وأشار البوسعيدي إلى الملف النووي الإيراني وقضية مضيق هرمز بوصفهما مثالين على تداعيات هذا الاعتماد، مشدداً على ضرورة أن تتحمل دول المنطقة بنفسها مسؤولية تصميم وتنفيذ ترتيبات أمنية مشتركة.

وتأتي هذه المواقف في وقت أبرزت فيه التطورات الأخيرة، بدءاً من الحرب وتداعياتها وصولاً إلى المخاوف المتعلقة بأمن الملاحة البحرية واتساع نطاق التوترات، التكاليف المترتبة على غياب آليات أمنية إقليمية مستدامة.

طهران تؤكد ضرورة تحقيق الأمن بالاعتماد على القدرات الإقليمية

وفي الإطار نفسه، أكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، عدم فاعلية الضمانات الأمنية الأمريكية، مشدداً على أن الأمن في غرب آسيا يجب أن ينبع من داخل المنطقة، وأنه ينبغي منع أي تدخل خارجي.

ويعكس هذا الموقف التأكيد على ضرورة اضطلاع دول المنطقة بدور مباشر في تحديد ترتيباتها الأمنية.

ووفقاً لهذا النهج، لا يمكن تحقيق الأمن المستدام من خلال إقصاء دول المنطقة أو تهديدها، بل عبر الحوار والتعاون وتحمل المسؤوليات المشتركة.

أهمية اجتماع طهران الرباعي

في هذا السياق، يكتسب الاجتماع الرباعي الذي استضافته طهران بمشاركة إيران وباكستان والسعودية وتركيا أهمية خاصة.

وقد عُقد الاجتماع بمبادرة من باكستان وموافقة إيران، حيث اتفق المشاركون في البيان الختامي على مواصلة الحوار لتعزيز التعاون بين الدول الأربع، بما في ذلك مجالات السلام والأمن الإقليميين.

وتُعد المشاورات بشأن الأمن الإقليمي، وتداعيات ما وصفه التقرير بالعدوان العسكري الأمريكي والإسرائيلي على إيران، وضرورة الاهتمام بأوضاع الشعبين الفلسطيني واللبناني، من القضايا التي اكتسبت أهمية متزايدة في ضوء التطورات الأخيرة.

ويمكن النظر إلى اجتماع كبار المسؤولين من الدول الأربع في طهران بوصفه مؤشراً على استمرار الجهود الرامية إلى مناقشة القضايا الإقليمية المشتركة.

غير أن تحويل هذه المشاورات إلى آليات مستدامة يتطلب استمرار المفاوضات والتوصل إلى اتفاقات عملية بشأن القضايا الخلافية.

آفاق الترتيبات الأمنية الإقليمية

من جانبه، اعتبر ولي نصر، المستشار السابق للرئيس الأمريكي باراك أوباما، أن اجتماع طهران يمثل إنجازاً مهماً لإيران على المستويين الإعلامي والدعائي.

وأشار إلى طرح الملف اليمني خلال الاجتماع، مرجحاً إمكانية أن تسفر المحادثات عن نتائج في هذا الشأن.

كما رأى نصر أن استخدام تسمية «قمة طهران» قد يشير إلى مساعي إيران لتشكيل ترتيبات إقليمية مختلفة، تؤدي فيها طهران دوراً محورياً في تحديد معالمها.

ومع ذلك، ينبغي عدم إغفال أن الدول المشاركة في الاجتماع، رغم تأكيدها المتكرر ضرورة تحقيق الأمن الإقليمي بالاعتماد على القدرات الذاتية، تمتلك علاقات وحسابات مختلفة تجاه القوى الخارجية، وهو ما قد يؤثر في مسار التعاون المستقبلي.

ومن ثم، فإن مجرد انعقاد الاجتماع لا يعني نشوء تحالف أمني جديد، بل تكمن أهميته في إتاحة الفرصة لاستمرار الحوار واستكشاف مجالات التعاون المشترك.

وفي السياق ذاته، علّق ميخائيل أوليانوف، ممثل روسيا لدى المنظمات الدولية في فيينا، على الاجتماع الرباعي في طهران، قائلاً إنه يبدو أن دول المنطقة قررت تولي مسؤولية أمنها الإقليمي بنفسها.

وأكد أوليانوف أنه لا ينبغي التقليل من أهمية هذا التطور.

ويعكس هذا التصريح أيضاً أهمية الدور المباشر لدول المنطقة في إدارة قضاياها الأمنية، وهو توجه برز في مواقف وزير الخارجية العُماني وتصريحات المسؤولين الإيرانيين خلال الأيام الأخيرة.

وفي تطور آخر، أعلنت وزارة الخارجية القطرية أن زيارة وفدها إلى طهران تهدف إلى دعم جهود الوساطة لخفض التوتر بين واشنطن وطهران.

كما أكدت الوزارة، في بيان، ضرورة إنشاء نظام أمني إقليمي جديد يراعي سيادة الدول، معتبرة أن ذلك يمثل شرطاً لتحقيق الاستقرار المستدام في المنطقة.

وبوجه عام، تشير تصريحات المسؤولين في عُمان وإيران وقطر، إلى جانب تقييمات المراقبين الأجانب، إلى تزايد الاهتمام بضرورة إعادة النظر في النموذج الأمني القائم في غرب آسيا.

غير أن تحقيق الأمن الإقليمي الذاتي يتطلب تجاوز الخلافات، وتعزيز الثقة المتبادلة، وإنشاء آليات فعالة لإدارة الأزمات.

ويمكن أن يشكل اجتماع طهران فرصة لدفع هذا المسار قدماً، إلا أن نجاحه سيظل مرهوناً بقدرة دول المنطقة على تحويل الحوارات السياسية إلى تعاون عملي ومستدام.

السيناريوهات المستقبلية

يمكن تصور مستقبل الأمن الإقليمي الذاتي في غرب آسيا من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية.

السيناريو الأول: التدرج نحو إنشاء منظومة أمنية إقليمية

يقوم هذا السيناريو على استمرار المشاورات، على غرار اجتماع طهران، بما يؤدي تدريجياً إلى إنشاء آليات إقليمية للحوار وإدارة الأزمات وخفض التوترات.

وفي هذا المسار، يمكن أن يسهم التعاون بين إيران والسعودية وباكستان وتركيا في تهيئة الظروف لمشاركة أوسع من جانب دول المنطقة، وتقليص الاعتماد على الضمانات الأمنية التي تقدمها القوى الخارجية.

غير أن تحقيق ذلك يتطلب التوصل إلى توافق بشأن الأولويات المشتركة.

السيناريو الثاني: استمرار الحوار دون التوصل إلى إطار أمني مستدام

يفترض هذا السيناريو استمرار المشاورات السياسية دون نجاحها في إرساء إطار مؤسسي مستدام.

وفي هذه الحالة، قد تحول الخلافات الجيوسياسية، والتنافس على النفوذ الإقليمي، وانعدام الثقة المتبادل، وتباين علاقات دول المنطقة مع الولايات المتحدة، دون تحويل الحوارات إلى تعاون عملي.

ونتيجة لذلك، سيبقى مفهوم الأمن الإقليمي الذاتي أقرب إلى مبدأ سياسي منه إلى نموذج قابل للتنفيذ.

السيناريو الثالث: تصاعد التوترات واستمرار التدخلات الخارجية

في هذا السيناريو، قد يؤدي تصاعد التوترات واستمرار التدخلات الخارجية إلى إضعاف مسار التعاون الإقليمي، ودفع الدول مجدداً نحو زيادة اعتمادها على القوى من خارج المنطقة.

ويتمثل أحد أبرز العوائق أمام تحقيق الأمن المشترك في غياب التوافق بشأن تعريف التهديدات المشتركة وآليات مواجهتها.

وبناءً على ذلك، فإن مستقبل الأمن الإقليمي الذاتي لا يعتمد على عدد الاجتماعات المنعقدة بقدر ما يرتبط بقدرة دول المنطقة على بناء الثقة، واحتواء التنافس، وإنشاء آليات عملية لتسوية الخلافات.

رأيك
captcha