كيف دفعت سياسات ترامب الجمهوريين إلى الهامش؟
وأفادت وكالة برنا للأنباء بأن انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي ستُجرى يوم الثلاثاء 3 نوفمبر، الموافق 12 آبان، وسط مؤشرات استطلاعية وظروف سياسية واقتصادية تشير، وفقاً للتحليل، إلى احتمال تقدم الحزب الديمقراطي على منافسه الجمهوري.
فقد أدى ارتفاع تكاليف المعيشة، والتداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية ضد إيران، والرسوم الجمركية، وتراجع شعبية دونالد ترامب، إلى إضعاف موقف الجمهوريين وتعزيز آمال الديمقراطيين في استعادة الأغلبية في مجلس النواب، فيما لا تزال المنافسة على مجلس الشيوخ متقاربة ويصعب التنبؤ بنتيجتها.
وبحسب متوسط استطلاعات الرأي الذي ينشره موقع «ريل كلير بوليتيكس»، يتقدم الديمقراطيون بنسبة 51.5% مقابل 43.1% للجمهوريين. كما أظهر استطلاع مشترك أجرته «رويترز» و«إبسوس» تقدم الديمقراطيين بفارق 11 نقطة مئوية.
وقدّر موقع «ديسيجن ديسك إتش كيو» احتمال فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلس النواب بنسبة 83%، وفي مجلس الشيوخ بنسبة 63%.
ويُعد الاستياء الاقتصادي لدى الناخبين من أهم العوامل التي أضعفت موقف الجمهوريين. فقد أدى التضخم البالغ 3.7%، وأسعار الفائدة التي تتجاوز 7%، وارتفاع أسعار البنزين والوقود نتيجة الحرب مع إيران، إلى زيادة الضغوط المعيشية على الأمريكيين.
وفي استطلاع أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» بالتعاون مع كلية سيينا، قيّم 53% من الناخبين الوضع الاقتصادي بأنه ضعيف.
كما أسهمت سياسات ترامب المتعلقة بالهجرة في تراجع دعم شريحة من الناخبين ذوي الأصول اللاتينية للحزب الجمهوري.
وفي الوقت نفسه، تراجعت شعبية ترامب إلى 32%، وهي نسبة وصفتها صحيفة «الغارديان» بأنها الأدنى لرئيس أمريكي قبيل انتخابات التجديد النصفي منذ عهد هاري ترومان.
وفي حال فوز الديمقراطيين، سيواجه البيت الأبيض كونغرساً قادراً على تقييد هامش تحرك ترامب، من خلال استدعاء المسؤولين، وإجراء التحقيقات بشأن أداء الإدارة، وممارسة الضغوط المتعلقة بالموازنة.
ولهذا السبب، تدرس الإدارة الأمريكية سبل توسيع استخدام الصلاحيات التنفيذية وتقليل اعتمادها على الكونغرس.
وبذلك، قد تشكل الانتخابات المقبلة بداية مرحلة جديدة من المواجهة السياسية بين البيت الأبيض والكونغرس.
أربعة سيناريوهات تفسر تقدم الديمقراطيين
فيما يلي استعراض لأبرز العوامل التي قد تؤدي إلى فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وخسارة الجمهوريين.
ويمكن تحديد أربعة سيناريوهات رئيسية لتحليل احتمالات فوز الديمقراطيين، يجمع بينها الدور الحاسم للاقتصاد اليومي والظروف المعيشية في قرارات الناخبين الأمريكيين.
فأسعار البنزين، وتكاليف شراء المواد الغذائية، والقدرة على دفع الإيجارات وأقساط السكن، أصبحت بالنسبة إلى الناخبين أكثر أهمية من الشعارات السياسية والوعود الكبرى.
1. التضخم الناجم عن الحرب مع إيران
تُعد التداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية ضد إيران أحد أبرز العوامل التي أضعفت موقف الجمهوريين.
فقد أدى ارتفاع أسعار النفط واضطراب أسواق الطاقة إلى زيادة تكاليف الوقود في الولايات المتحدة، ما فرض أعباء إضافية على الأسر والشركات.
كما تؤدي زيادة أسعار الديزل بصورة مباشرة إلى ارتفاع تكاليف نقل البضائع وإنتاج المحاصيل الزراعية، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على أسعار المواد الغذائية وغيرها من السلع الاستهلاكية.
وبالنسبة إلى الناخب الأمريكي، تتحول الحرب إلى قضية سياسية عندما يلمس آثارها أثناء تعبئة وقود سيارته أو شراء احتياجاته اليومية من المتاجر.
ومن هذا المنطلق، حتى لو طرحت إدارة ترامب أهدافاً أمنية أو استراتيجية محددة للحرب، فإن ارتفاع تكاليف المعيشة قد يُحمَّل للحزب الحاكم، ويدفع جزءاً من ناخبيه إلى تأييد الديمقراطيين.
2. فرصة لمعاقبة الحزب الحاكم
تمثل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، تقليدياً، فرصة للتعبير عن الاستياء من الرئيس الموجود في السلطة.
ففي العديد من الدورات الانتخابية، يخسر حزب الرئيس مقاعد في الكونغرس، لأن الناخبين يقارنون أداء الإدارة بوعودها الانتخابية بعد مرور عامين على توليها السلطة.
وقد عاد ترامب إلى البيت الأبيض بوعود تتعلق بخفض التضخم وتحسين الأوضاع الاقتصادية وتقليل تكاليف المعيشة.
غير أن استمرار الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف السكن والوقود أبرزا الفجوة بين تلك الوعود والواقع الاقتصادي.
وفي مثل هذه الظروف، قد تتحول انتخابات التجديد النصفي إلى ما يشبه الاستفتاء على أداء الرئيس.
فالناخبون الذين منحوا ثقتهم للجمهوريين في الانتخابات الرئاسية قد يختارون هذه المرة التصويت للديمقراطيين للتعبير عن استيائهم.
3. السياسة الخارجية والرسوم الجمركية
تُعد السياسة الخارجية لترامب، ولا سيما الحرب التجارية والرسوم الجمركية المفروضة على الواردات، من العوامل الأخرى التي قد تنعكس سلباً على الجمهوريين.
فعلى الرغم من أن هذه الرسوم تُفرض بهدف حماية الإنتاج المحلي وتعزيز الصناعات الأمريكية، فإنها قد تؤدي عملياً إلى زيادة تكاليف استيراد المواد الأولية وقطع الغيار والسلع الاستهلاكية.
كما يُنقل جزء من هذه التكاليف إلى المستهلكين.
وإلى جانب ذلك، تؤثر التوترات التجارية مع الشركاء الاقتصاديين وحالة عدم اليقين الناجمة عن السياسات التجارية للإدارة على قرارات الشركات وآفاق الاستثمار.
وبالتالي، قد يربط الناخب الذي يواجه ارتفاعاً في أسعار السلع بين السياسات الاقتصادية للحكومة والضغوط التي تتعرض لها قدرته الشرائية.
وفي هذا الإطار، لا تعود الرسوم الجمركية والسياسة الخارجية مجرد قضايا تتعلق بالعلاقات الدولية، بل تصبح مسائل ملموسة تؤثر في الحياة اليومية للأمريكيين.
4. تآكل القاعدة الشعبية للجمهوريين.. استياء يتجاوز الاقتصاد
يتعلق السيناريو الرابع بتراجع دعم بعض فئات الناخبين للحزب الجمهوري.
فقد تؤدي سياسات الهجرة المتشددة، وحملات ترحيل المهاجرين، واستياء شريحة من الناخبين ذوي الأصول اللاتينية، إلى تعريض القاعدة الانتخابية للحزب لتحديات متزايدة.
ومن جهة أخرى، فإن انخفاض شعبية ترامب وتحول انتخابات التجديد النصفي إلى تقييم لأدائه الشخصي قد يدفعان الناخبين المستقلين، وحتى بعض المحافظين غير الراضين، إلى الابتعاد عن الجمهوريين.
ومع ذلك، يظل الاقتصاد عاملاً محورياً حتى في هذا السيناريو، لأن الناخبين يقيمون أداء الإدارة في نهاية المطاف من خلال تأثير سياساتها على أمنهم الوظيفي ودخولهم وقدرتهم الشرائية.
الخلاصة
في السيناريوهات الأربعة، تتمحور القضية الأساسية حول العلاقة بين أداء إدارة ترامب وتكاليف معيشة الأمريكيين.
فبالنسبة إلى شريحة واسعة من الناخبين، تكتسب السياسة الخارجية والحرب والرسوم الجمركية والهجرة أهمية انتخابية عندما تنعكس نتائجها على أسعار البنزين والمواد الغذائية ونفقات الأسر.
ومن هذا المنظور، يمكن تفسير احتمالات تقدم الديمقراطيين إلى حد كبير من خلال الاستياء الاقتصادي ورغبة الناخبين في استخدام انتخابات التجديد النصفي للتعبير عن اعتراضهم على أداء الإدارة الأمريكية.