زاغروس تحترق؛ المیراث الأخضر لإیران بین الإهمال والأزمة

الارتفاع غیر المسبوق فی حرائق غابات البلوط غرب البلاد

|
۲۰۲۵/۰۸/۲۷
|
۰۸:۴۱:۰۱
| رمز الخبر: ۳۷۴
الارتفاع غیر المسبوق فی حرائق غابات البلوط غرب البلاد
برنا – الثقافة والفن: اتساع رقعة الحرائق فی غابات زاغروس أعاد مرّة أخرى ملف إدارة الموارد الطبیعیة وقدرة الدولة على صون البیئة إلى صدارة اهتمام الرأی العام.

زاغروس هذه الأیام یحترق من جدید؛ لا تحترق جذوع البلوط العتیقة فحسب، بل یتآکل معها جزء من الذاکرة والهویة البیئیة لإیران. لم تعد حرائق الغابات هنا حادثاً موسمیاً، بل أزمة بنویة تتکرر کل صیف وتزداد آثارها تدمیراً. والسؤال الأساسی: لماذا، رغم التجارب المرّة المتکررة، لم یُعتمد بعد حل مستدام لحمایة هذا الرصید الوطنی؟

النار فی غابات البلوط؛ أزمة تتجاوز الحدث الطبیعی

حین تلتهم النیران بلوطیات زاغروس التی تمتد لآلاف السنین، لا یُدمَّر الخشب والأوراق فحسب؛ بل تتضرر التربة والماء والتنوع البیولوجی بل وحتى الإنسان نفسه. فغابات البلوط حائط صد طبیعی أمام انجراف التربة، ومستودع أساسی للمخزون المائی. وضیاعها یعنی تزاید التصحر، وانخفاض خصوبة الأراضی، ونهایة المطاف هجرة قسریة لأهالی القرى. هذه الحرائق لیست مجرد ظاهرة طبیعیة، بل نتیجة ترکیب من العوامل المناخیة وسوء الإدارة التی یُفاقم کل منها الآخر.

روایة میدانیة؛ أبطال بلا تجهیز

فی کل بقعة من زاغروس، تتکرر الروایة نفسها: حرّاس الغابات والمتطوعون المحلیون یقتحمون ألسنة اللهب بأبسط الوسائل. بأیدٍ عاریة أو بأدوات بدائیة یحاولون وقف التمدد، فیما تعتمد دول أخرى على أنظمة جویة وطائرات إطفاء وطائرات مسیّرة لمراقبة الحرائق. هذا التفاوت فی الوسائل یجعل حماة الطبیعة عرضة للموت. سقوط عدد من الناشطین البیئیین فی السنوات الأخیرة أثناء عملیات الإطفاء شهادة مرة على أن صون الغابات فی إیران لا یزال یتکل کثیراً على «التضحیة الفردیة» لا على بنیة مؤسسیة فعّالة.

التداعیات البیئیة والاجتماعیة

زاغروس لیس مجرد غابة؛ إنّه رئة غرب إیران. وكل حریق یُطلق سلسلة من التداعیات:

  • التربة الخصبة تتحول إلى رماد، ما یفتح الباب أمام الانجراف والانزلاقات.

  • التنوع البیولوجی یتقلص وتفنى أنواع نادرة من النباتات والحیوانات.

  • الموارد المائیة تتأثر بشدة، ما یهدد حیاة المجتمعات المحلیة على المدى البعید.

  • ومع تقلص الأمن البیئی، تتصدع سبل العیش التقلیدیة (الزراعة والرعایة)، فیندفع المزید من الأهالی إلى هجرة قسریة نحو المدن.

کل ذلک یدل على أن حرائق زاغروس لیست مسألة بیئیة فحسب؛ بل أزمة وطنیة بامتدادات اقتصادیة واجتماعیة وأمنیة.

إدارة الأزمة؛ ردود متأخرة بدل الوقایة

ما یثیر القلق لیس النیران بحد ذاتها، بل کیفیة إدارتها. النمط السائد هو رد فعل متأخر ومؤقت لا سیاسة استباقیة مستدامة. فکل عام بعد اندلاع الحریق تُستَنفر القوى المحلیة، ولکن الوقت یکون قد فات. غیاب أنظمة الإنذار المبکر، قلة التدریب المتخصص، وانعدام التنسیق بین المؤسسات المسؤولة، کل ذلک یحوّل الحرائق إلى کارثة منذ ساعاتها الأولى. تجارب دول أخرى أثبتت أن الاستثمار فی تكنولوجیات المراقبة السریعة والإطفاء المبکر یمکن أن یقلص الخسائر بشکل کبیر. لکن، لماذا لا یُؤخذ بهذه التجارب فی إیران بجدیة؟

الخاتمة؛ دعوة إلى تحرک عاجل

الیوم تحترق زاغروس، وغداً قد یحترق مستقبل إیران. هذه الأزمة تکشف الحاجة الماسة إلى خطة وطنیة شاملة لإدارة حرائق الغابات، خطة تقوم على الوقایة، التدریب، التجهیز، والتکامل بین الأجهزة. تجهیز حرّاس الغابات، تخصیص میزانیة کافیة، استخدام الوسائل التکنولوجیة الحدیثة، واستقطاب دور منظمات المجتمع المدنی، کلها خطوات أولیة لا بد منها.

إن لم یُتخذ الإجراء الیوم، فقد تصبح زاغروس غداً مجرد ذکرى فی التاریخ. وصون هذا المیراث الأخضر مسؤولیة جماعیة تقع على عاتقنا جمیعاً.

رأيك
captcha