اليَوز الإيراني؛ الباقي بين الفخر والوجع
سُمّي التاسع من شهريور «اليومَ الوطنيّ لحماية اليَوز الإيراني». لكن، مع كلّ عامٍ يَحلّ فيه هذا اليوم، وبدلاً من أخبار الولادات والعودة إلى المواطن، لا نسمع إلّا قوائم جديدة من التحذيرات والمراثي. لم يعد اليَوز لدينا «نوعاً مُهدَّداً» فحسب، بل رمزاً لعجز منظوماتنا عن صون التراث الطبيعي. ما وقع في بافق ــ وانتهى بموت «ماريتا» ــ بات اليوم يتكرّر على نطاقٍ أوسع، تحت أسماء المشاريع والطرق والمناجم… وتحت اسم الغفلة.
أرقامٌ لا تركض!
إنّ جماعة الفهد الآسيوي، التي لم يبقَ لها وجودٌ بريّ إلا في إيران، لم تَعُد قابلةً للتحليل بوصفها أرقاماً وإحصاءات، بل تُعرَّف اليوم بمنطق البقاء أو الاندثار. ووفقاً للتقديرات الرسمية والميدانية، لم يتبقَّ في طبيعة إيران أقلّ من 15 فهداً بالغاً قابلاً للتعقّب؛ وهذا يعني جماعةً «غير مستقرة» من الناحية الوراثية والبيئية والديناميات النُظُميّة البيئية. ومن منظورٍ أحيائي، فإن جماعةً بهذا الحجم لا يمكن أن تكون قادرةً على الاستمرار الذاتي؛ أي إنّه حتى لو توفّرت لكل الأفراد ظروفُ تكاثرٍ مثالية، ستظلّ فرص بقاء النَّسْل منخفضة.
ومن جهةٍ أخرى، لا تنحصر الدلالات في الأعداد فحسب؛ بل تكشف عن عجزنا في الرصد الدقيق، والإدارة المستدامة، وصنع السياسات المتسقة. فلا تزال منظومةٌ وطنيةٌ شاملةٌ ومُحدَّثة لتتبّع الفهود الباقية غير متوفّرة. والاعتمادات الحكومية غير كافية، وقد وُجِّه جزءٌ كبير منها إلى مشاريع استعراضية أكثر منها إنقاذية. وبناءً على ذلك، فهل لا نزال نملك وجهاً لاستخدام مفرداتٍ مثل «الحماية» و«الإحياء»؟
طرقٌ تصنع شقوقاً
من توران إلى مياندِشت، ومن يَزد إلى طَبَس، تتقاطع مسالك عبور الفهد على الدوام مع طرقٍ شُيِّدت للمركبات لا للحياة البرية. فالطريق، خلافاً للتصوّر الشائع، ليس مجرّد إسفلت؛ إنّه شقٌّ إيكولوجي يفصل المواطن عن بعضها، ويقطع ممرّات هجرة الفهود، ويفرض الموت في هيئة حوادث دهس.
وخلال السنوات الأخيرة، تمّ الإبلاغ عن عدّة حالات نفوقٍ لفهودٍ نتيجة حوادث السير، وكلّها تقريباً وقعت بالقرب من المواطن المسجَّلة. لكن ما كان ردّنا الإداري؟ كم جسراً لعبور الحياة البرية شيّدنا؟ كم لوحة تحذير ثبّتنا في النقاط عالية الخطورة؟ وهل لدى الهيئات المسؤولة عن إنشاء الطرق إلزامٌ بالتنسيق مع الجهات البيئية؟ إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة أقرب إلى «لا» منها إلى «نعم».
وطالما أنّ منظومة تطوير البنى التحتية لدينا تنظر إلى البيئة بوصفها عائقاً لا جزءاً من التخطيط الكُلّي، فسيبقى الفهد خاسر هذا النزال غير المتكافئ بين سرعة المركبات وسرعة فراره.
من «ماريتا» إلى «إيران» و«فيروز»؛ التراجيديا مستمرّة
قصة الفهد الإيراني هي حكاية وجوهٍ فردية تحوّلت من رموزٍ للحياة إلى أيقوناتٍ للإخفاق. كانت «ماريتا» أوّل فهدٍ مُنقَذٍ يصل قبل عقودٍ إلى متنزّه «برديسان»، وبفضل تداول قصتها إعلامياً أطلقت شرارة الوعي الأولى بالحماية. لكنها لم تعد إلى الطبيعة قط؛ لا لعجزٍ ذاتيّ فيها، بل لغياب برنامجٍ مُحكَم لإعادتها إلى البرّية.
وبعد عقدين، جاء الأمل مع «إيران» و«فيروز» ومشروعات التكاثر في الأسر؛ إلا أنّ الحصيلة كانت نفوقَ جِراءٍ، وتبايناتٍ في الرأي بين مؤسسات الدولة، وكشفاً عن مواطن ضعفٍ فنيةٍ وإدارية. فالفهدُ الأنثى التي حُمّلت عناء التلقيح في الأسر وضعت جِراءً كان كثيرٌ منها ضعيفاً أو مريضاً أو نافقاً. وفي غياب منظومةٍ بيئيةٍ آمنة، ومع بيروقراطيةٍ معقّدةٍ وتنافساتٍ داخلية بين الجهات، لم يتحوّل الميلاد إلى مناسبةٍ للفرح.
وفي حين نُفِّذت مشاريعُ مشابهةٌ في أفريقيا مع مراعاةٍ دقيقةٍ للاعتبارات الأحيائية والأخلاقية، ما زلنا نختلف حول مكان الإيواء وأساليب التغذية وتحديد المرجع النهائي للمسؤولية. فالتراجيديا الحقيقية ليست في نفوق الفهود فحسب، بل في الفرص الضائعة التي ما برحت تتكرر مراراً.
ماذا يعني الفهدُ لنا؟
بالنسبة إلى كثيرين، قد يكون الفهدُ مجرّد حيوانٍ جميل؛ أمّا لإيران، فهو آخرُ باقٍ من هويةٍ جغرافيةٍ وتاريخيةٍ وأحيائية. فمن نصوص الصيد في العهد الصفوي إلى اللوحات القاجارية، وحتّى الأدب المعاصر، ظلّت خِفّته وصمته ومعيشته الصحراوية متّسقةً مع صورةِ إيرانَ الفسيحة النبيلة.
لكنّ ما هو أمرّ، أنّ الفهد ينسحب تدريجياً من واقعنا ليبقى صورةً على قميص المنتخب أو شعار مؤسسة. وكلّما تكاثرت صوره على الجدران، تضاءلت حقيقتُه في الطبيعة.
فهل نريد الفهد لبقائه الحقّ، أم لِـ«بريستيج» دولي؟ هل نُدرك قيمته بوصفه نوعاً فريداً، أم نستنزف رمزيته لسدّ فجواتٍ دعائية؟ إن كان الجواب الثاني، فقد آن الأوان أن ننظر في مرآة الشعارات لنرى وجوهنا نحن—لا وجه الفهد.