تعلیم اللغة العربیة في إیران: التحدیات، الفرص والمسار المستقبلي
کمال إبراهیم كاوري: تتمتع اللغة العربیة في إیران بمکانة خاصة، نظراً للروابط التاریخیة والثقافیة والدینیة العمیقة بین إیران والعالم العربي. فقد حضرت هذه اللغة، باعتبارها لغة القرآن والکتب الدینیة، في النظام التعلیمي الإیراني منذ القدم، ولا تزال حتی الیوم جزءاً من المناهج الدراسیة في المدارس والجامعات.
ومع ذلک، یواجه مسار تعلّم اللغة العربیة تحدیات عدیدة أثّرت علی مستوی تمکن الطلاب من هذه اللغة. فبالرغم من أن اللغة العربیة تُدرّس کأحد المواد الأساسیة في المرحلة الثانویة ضمن البرامج الرسمیة، وتحظی بأهمیة خاصة في بعض التخصصات الجامعیة—خصوصاً في مجالات کالهیئة، والفقه، والدراسات الإسلامیة—إلّا أن کثیراً من الطلّاب وحتى الخرّیجین، لا یمتلکون القدرة علی التحدّث أو فهم النصوص العربیة بطلاقة، رغم مرورهم بمراحل دراسیة متعددة.
یُعزى أحد أبرز أسباب هذا التحدي إلی الطابع القواعدي والترجمي البحت لأسالیب التدریس، حیث یُغفل الجانب التواصلي والوظیفي للغة. هذا النهج یجعل التعلّم صعباً ویُفقد الطلّاب حافزهم، ویُحوّل اللغة إلی مادة جامدة وغیر جاذبة. کما أنّ الفرق بین اللغة العربیة الفصحی واللهجات المحلیة، یزید من صعوبة التواصل لدی المتعلّمین، إذ قد یُتقنون الفصحی نظریاً، لکنهم یواجهون صعوبات في الحدیث مع الناطقین بالعربیة في الحیاة الواقعیة.
ویُضاف إلی ذلک قلّة البیئات التفاعلیة، إذ إنّ إتقان أیّة لغة یتطلّب الممارسة الفعلیة والتفاعل الحی، وهو ما تفتقر إلیه العدید من المؤسسات التعلیمیة في إیران. ویُلاحظ أیضاً ضعف الاهتمام بمهارات الاستماع والتحدّث، حیث تظلّ في الهامش مقارنة بالقراءة والکتابة، مما یُحول عملیة تعلیم اللغة إلی تجربة أحادیة الجانب وغیر عملیة.
من أجل تجاوز هذه العقبات، لا بد من تبنّي أسالیب تدریس حدیثة تقوم علی التفاعل واستخدام الوسائط المتعددة. ویُعتبر إدخال التقنیات الحدیثة، والمحتویات التواصلیة، والأسالیب التفاعلیة، خطوات ضروریة لجعل التعلّم أکثر متعة وفعالیة.
کما أنّ تعزیز التعاون مع الدول العربیة من خلال برامج ثقافیة وإعلامیة وتبادلات طلابیة، یسهم في خلق بیئات حقیقیة لاستخدام اللغة ویُعزز من قدرة المتعلّمین علی التواصل الفعّال. ویُستحسن أیضاً أن یُضاف إلی تعلیم الفصحی، اهتمام خاص باللهجات العربیة المنتشرة، خاصة في المناطق الحدودیة، لما لذلک من أثر إيجابي في تطویر العلاقات التجاریة والثقافیة والاجتماعیة.
ومن جهة أخری، فإن إنتاج موارد تعلیمیة جدیدة—کالأفلام، والبودكاست، والقصص المشوّقة باللغة العربیة—یمکن أن یجعل عملیة التعلم أکثر جاذبیة ویرفع من دافعیة الطلاب.
وباختصار، فإن تعلیم اللغة العربیة في إیران بحاجة ماسة إلى تحوّل في النهج التعلیمي، وتوفیر بیئات تفاعلیة، واعتماد مقاربة وظیفیة حدیثة. ومن خلال السیاسات الصحیحة، یمکن للغة العربیة أن تتحوّل إلى أداة فاعلة في التنمیة الثقافیة والاقتصادیة والدبلوماسیة، وتُسهم في تعزیز الروابط بین إیران والعالم العربي.