يوم من أجل إنقاذ درع الأرض غير المرئي

طبقة الأوزون؛ الحدّ الفاصل بين الحياة والموت الكوكبي

|
۲۰۲۵/۰۹/۱۶
|
۱۱:۵۶:۰۵
| رمز الخبر: ۵۱۳
طبقة الأوزون؛ الحدّ الفاصل بين الحياة والموت الكوكبي
يحتفل العالم في 16 أيلول من كل عام بإنجازٍ تاريخي في الدبلوماسية البيئية، وذلك عبر إحياء اليوم العالمي لحماية طبقة الأوزون. في زمنٍ تواجه فيه البشرية أزمات مناخية وبيئية متعددة، تحوّلت قصة إنقاذ الأوزون إلى نموذج يُحتذى به من التعاون العالمي، والوعي المجتمعي، والإرادة العلمية؛ نموذجٌ لا يزال يحمل دروساً ثمينة لمستقبل الأرض.

وأفادت وكالة برنا للأنباء، في قلب الغلاف الجوي، حيث لا تراه العين المجردة، تسكن طبقة رقيقة تحرس الحياة بصمت. ليست الأوزون مجرد تفاعل كيميائي، بل حارسٌ بيئيٌ لطيفٌ يحمي البشر والكائنات من أشعة الشمس القاتلة. إن اختلال هذا الحاجز الشفاف قد يكلّف الكوكب ثمناً لا يُقدَّر. ولهذا، فإن الحفاظ عليه لم يعد خياراً، بل واجباً إنسانياً مشتركاً.

ما هي طبقة الأوزون ولماذا هي مهمة؟

طبقة الأوزون هي جزء من الغلاف الجوي للأرض تقع في طبقة الستراتوسفير، على ارتفاع يتراوح بين 15 و30 كيلومتراً عن سطح الأرض. وتضم هذه الطبقة جزيئات الأوزون (O₃) التي تعمل كـ درع وقائي أساسي؛ إذ تقوم بامتصاص الأشعة فوق البنفسجية الضارة (UV-B) القادمة من الشمس، وتمنع وصولها المباشر إلى سطح الأرض.

من دون هذه الطبقة، لم يكن للحياة كما نعرفها اليوم أن تستمر، لأن تلك الأشعة تؤدي إلى سرطان الجلد، وأمراض العيون، وضعف جهاز المناعة، وتلف الحمض النووي، وانقراض العوالق النباتية البحرية التي تُعدّ أساس السلسلة الغذائية في المحيطات. ولهذا السبب، اعتُبر تآكل طبقة الأوزون أزمة عالمية تطلّبت تحركاً عاجلاً ومنسقاً على مستوى العالم.

 بروتوكول مونتريال؛ أنجح معاهدة بيئية في التاريخ

في عام 1987، اجتمعت دول العالم لإيجاد حلّ لإنقاذ طبقة الأوزون. والنتيجة كانت توقيع بروتوكول مونتريال؛ وهو اتفاق دولي هدفه إزالة المواد التي تسبّب تلف طبقة الأوزون تدريجياً، مثل مركبات الكلوروفلوروكربون (CFCs) والهلونات. وقد صدّق على هذا البروتوكول أكثر من 197 دولة، مما يجعله واحداً من أكثر المعاهدات الدولية شمولاً في تاريخ البشرية. وبحسب تقارير الأمم المتحدة، فإنّ تنفيذ هذا البروتوكول أدّى إلى تعافي تدريجي لطبقة الأوزون، ومن المتوقع أن تعود إلى مستويات ما قبل الثمانينيات بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين. ومن الجدير بالذكر أن تنفيذ بروتوكول مونتريال لم يُنقذ طبقة الأوزون فحسب، بل ساهم أيضاً بشكل غير مباشر في الحدّ من تغيّر المناخ، لأن العديد من المواد الضارة بالأوزون تُعدّ أيضاً من أقوى الغازات الدفيئة.

 التهديدات والإنجازات؛ لماذا لا يزال الأمر مهماً؟

رغم النجاحات الكبيرة التي حققها بروتوكول مونتريال، لا تزال التهديدات قائمة. فـ الغازات البديلة (HFCs) التي تُستخدم بدلاً من المواد المحظورة، وإن كانت لا تضر بالأوزون، لكنها تُعد من الغازات الدفيئة التي تسرّع من تغيّر المناخ. كما أن بعض الأنشطة الصناعية غير القانونية، والاستخدام المهرّب للمواد المحظورة، والتقلبات الحرارية الشديدة في المناطق القطبية، تشكل تحديات مستمرة. في المقابل، أدّت التطورات العلمية في مجالات محاكاة الغلاف الجوي، والرصد بالأقمار الصناعية، وتطبيق اللوائح البيئية بدقة، إلى تعزيز الأمل في استمرار التحسن. إن حماية الأوزون هي قصة نجاح في التعاون بين الحكومات والعلماء والمجتمعات والشركات، ويمكن أن تكون مثالاً يُحتذى في مواجهة الأزمات البيئية الأخرى.

 إيران؛ من المشاركة إلى الريادة

تُعد إيران من الدول الموقّعة على بروتوكول مونتريال، وقد نفّذت خلال العقود الأخيرة خطوات مهمة للحدّ من استخدام المواد الضارة بطبقة الأوزون. ومن هذه الخطوات:

  • إغلاق خطوط إنتاج الثلاجات التي تحتوي على CFCs

  • استبدال الغازات القديمة في صناعات التبريد والتكييف

  • تدريب الفنيين وإنشاء نظام لإدارة المواد المحظورة

  • التعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ومنظمة حماية البيئة

ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات مثل مراقبة المصانع غير الرسمية، وتسرب الغازات من الأجهزة القديمة، ونقص التكنولوجيا الحديثة. ويمكن لإيران أن تتحول إلى نموذج ريادي إقليمي في هذا المجال إذا ما سهّلت إدخال التكنولوجيا النظيفة، ووسّعت نطاق التدريب، وعزّزت التعاون الإقليمي والدولي في حماية البيئة.

طبقة رقيقة؛ لكنها مصيرية

طبقة الأوزون، رغم كونها لا تتعدى بضعة ميليمترات من السماكة، تُعدّ واحدة من الركائز الأساسية لحماية التوازن البيئي على كوكب الأرض. إن إنقاذها يُعدّ مثالاً مضيئاً على التضامن العالمي، واندماج العلم بالسياسة، ونجاح الإرادة الإنسانية في حماية المصلحة العامة المشتركة.

ويُشكّل اليوم العالمي لطبقة الأوزون ليس فقط مناسبة للاحتفال بطبقة غازية، بل هو تذكير بمسؤوليتنا الجماعية تجاه الأجيال القادمة؛ بأنه يمكننا ــ ويجب علينا ــ أن نسلم الأرض بشكلٍ أفضل للأجيال القادمة؛ شريطة أن نبدأ من اليوم.

رأيك
captcha