دعوة إلى النقد الذاتي والاحتكام إلى العلم

بزشكيان: أظلم الناس هو من يحرّف الحقيقة وعلى الجميع أن يبدأوا الإصلاح من أنفسهم

|
۲۰۲۶/۰۲/۱۵
|
۱۴:۳۴:۰۲
| رمز الخبر: ۱۶۶۸
بزشكيان: أظلم الناس هو من يحرّف الحقيقة وعلى الجميع أن يبدأوا الإصلاح من أنفسهم
قال رئيس الجمهورية إن على الجامعات وأساتذة العلوم الإنسانية والاجتماعية اليوم مسؤولية مهمة جداً في معالجة جراح المجتمع ومشكلاته، مضيفاً: إذا لم نعرف الطبابة الاجتماعية فإن جراح المجتمع ستؤدي إلى الموت، وعلى العلوم الإنسانية أن تقدم حلولاً مناسبة لمعالجة الأزمات.

وأفادت وكالة برنا للأنباء، أن مسعود بزشكيان، يوم الأحد 26 بهمن 1404، وفي مراسم اختتام الدورة السادسة عشرة من مهرجان الفارابي الدولي الخاص بالعلوم الإنسانية والإسلامية، أكد أنه ينبغي لنا إزاء مشكلات المجتمع اليوم أن ننتقد أنفسنا، وبدلاً من انتقاد الآخرين وتوجيه اللوم إليهم، أن نصلح ذواتنا، مضيفاً: لقد جئنا وبقينا من أجل حل مشكلة الناس، لا لكي نكون نحن المشكلة ونلقي عبئاً على عاتقهم.

وتساءل بزشكيان: لماذا لا نستطيع أن نتحاور معاً، وأن نوضح القضايا والمشكلات المطروحة في المجتمع، وأن نجيب عن سبب نشوء المشكلة وكيف يجب معالجتها؟ وقال إنه تم تكليف وزير العلوم بأن يقوم، بمساعدة أساتذة الجامعات والنخب، بدراسة جذور الموضوع وتقديم حلول علمية لمعالجة أزمات المجتمع.

وأشار رئيس الجمهورية إلى أن الإيمان بلا عمل صالح لا معنى له، مؤكداً أنه لا يوجد إيمان من دون أن يتبعه عمل صالح. فالذي يفهمه الإنسان من مجمل المفاهيم العقائدية هو أن ما نعلمه ونستطيعه يجب أن نضعه موضع التنفيذ من أجل حل المشكلات أو بلوغ الأهداف.

وأضاف أن المسؤولية الملقاة اليوم على عاتق مجموعة العلوم الإنسانية والإسلامية في حل مشكلات المجتمع والإجابة عن أسئلة الناس، هي أثقل بكثير من المسؤولية التي تقع على عاتق السياسيين أو غيرهم.

وتابع رئيس الجمهورية، مؤكداً أن الذهنية السائدة في مجتمعنا قد أصيبت بجراح، قائلاً: إن تحديد الحل لعلاج هذه الجراح يعود إلى أن يقوم الأساتذة والطلاب ورجال الدين وأهل الإيمان بتعريف مرهم لها. فإذا حوّلنا هذا الجرح إلى موت، فهذا يعني أننا لا نجيد الطبابة الاجتماعية، ولا نعرف كيف ينبغي التعامل مع مرض أو جرح.

جئنا من أجل حل مشكلات الناس

وقال رئيس الجمهورية إن من غير المقبول بالنسبة لي، بصفتي مديراً، أن نقول إن نقطة واحدة فقط شهدت خللاً، مضيفاً: الحقيقة هي أن عملنا يعاني من مشكلات في عدة أقسام. وقد قلت مراراً إنه بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع الأفراد الذين وقعوا في الخطأ أو المشكلة في نهاية المسار، يجب أن نعود إلى أنفسنا؛ أي إلينا نحن الذين قمنا بالتصميم والإدارة وكانت مسؤولية الإشراف على عاتقنا، ولذلك فإن الأهم من أي شيء هو أن ننظر إلى أدائنا بنظرة نقدية.

وشدد بزشكيان على أنه إذا كان لا بد من توجيه نقد، فيجب أن يكون أولاً إلى أدائنا نحن، متسائلاً: لماذا، رغم الخلفية الدينية والعقائدية والثقافية العميقة، ومع كل هذا التاريخ والعراقة في الحكمة والفكر، وصلت محصلة عملنا إلى الوضع الذي نشهده اليوم؟ لماذا لا نستطيع أحياناً أن نتحاور مع بعضنا البعض؟ لماذا لا نطرح القضايا بشفافية ووضوح أمام الناس ليتبين ما الذي حدث، ومن كان المسؤول، وأين يكمن أصل المشكلة، وكيف يجب معالجتها؟

وأضاف رئيس الجمهورية: إن الادعاءات التي وردت في رسالة أحد النشطاء الإصلاحيين، إذا كانت صحيحة، فهي مسألة خطيرة ومقلقة للغاية. وقد أكدتُ ضرورة دراسة الموضوع بدقة وإطلاع الرأي العام عليه، وطلبتُ من الأساتذة والخبراء أن يقوموا بتحديد الجذور وتشخيص المرض وتقديم سبل العلاج.

يجب أن يبدأ الإصلاح من داخل أنفسنا

وشدد بزشكيان على أنه إذا كان من المقرر إجراء إصلاح، فإن هذا الإصلاح يجب أن يبدأ من داخلنا نحن، مؤكداً: لقد جئنا من أجل حل مشكلات الناس، لا أن نضيف عبئاً جديداً إلى مشكلاتهم.

وأضاف: إن الكفر يعني أن لا يتعقل الإنسان ما يسمعه أو يراه؛ فلماذا لا أرى ولا أسمع؟ إذا كان التقصير من جانبنا فعلينا إصلاح أنفسنا، وإذا كانت لدى الطرف الآخر ذهنية معينة فيجب تصحيحها، ونحن نسعى إلى ترميم هذا المسار.

وأشار رئيس الجمهورية إلى الأحداث المؤلمة في 18 و19 دي، قائلاً: لقد كانت حادثة سيئة للغاية وغير قابلة للتصور. لماذا يجب أن نصل إلى مثل هذا الوضع؟ لماذا ينبغي أن يُخدع شبابنا ويقدم بعضهم على أفعال لا تخطر على بال الإنسان؟ لماذا يجب أن تُحرق المساجد والأسواق وأن تُستهدف القوات الأمنية والعسكرية؟ إن مجرد تصور ذلك يكاد يكون مستحيلاً.

الإنكار وتجاهل المشكلة لا يمحوانها

وشدد بزشكيان على ضرورة البحث في جذور أحداث دي، قائلاً: يجب تحديد الأسباب وكتابة وصفة علمية لها. فالإنكار وعدم الرؤية، وحذف المشكلة أو محوها، لا يزيلها. ما لم نشخّص المرض بدقة فلن نستطيع معالجته. وإذا كنا أطباء ولم يعطنا المريض معلومات صحيحة، فلن نتمكن من كتابة وصفة علاج مناسبة له؛ لذلك يجب أن نعرف أين تكمن المشكلة حتى نتمكن من وضع العلاج الصحيح.

وتابع رئيس الجمهورية: ينبغي جمع البيانات والحصول على المعلومات والتشاور، ومن ثم تحويل هذه المعطيات إلى تعليمات تنفيذية وبرنامج لحل المشكلة. علينا أن نتكاتف ونتقدم إلى الأمام من أجل معالجة الأزمات.

وأضاف، مشيراً إلى أن الجامعة هي المكان الذي يمكن أن يقدّم الوصفة الصحيحة لمشكلات المجتمع وقضاياه: إن ذلك يتحقق بشرط أن نتمكن من التحاور داخل الجامعة نفسها. فقد أكد سماحة القائد مراراً على عقد جلسات لحرية التفكير والحوار في الجامعات؛ فلماذا لا نتعلم كيفية الحوار معاً؟ لماذا لا نستطيع أن نستمع إلى الطالب ثم نجيب استناداً إلى الأساليب العلمية؟

أظلم الناس هو من يحرّف الحقيقة

وشدد رئيس الجمهورية على أن الظالم الحقيقي هو من يقف في مواجهة أمور لا علم له بها، قائلاً: لقد قال المفسرون مراراً إن المقصود بالكذب على الله هو في الحقيقة خداع الناس؛ إذ لا يمكن الكذب على الله، فهو عالم بما في الصدور ويعرف حقيقة الإنسان.

وأضاف: لذلك فإن أظلم الناس هو من يحرّف الحقيقة، أو يطرح القول الباطل باسم الحق، أو عندما تصله كلمة صحيحة وصادقة يقوم بتكذيبها. إن معيار التقوى لا يقتصر على قول الحق فحسب، بل يشمل قبول الحق أيضاً. فإذا طُرح كلام صحيح، ينبغي التواضع أمامه، لا أن ننكره بدافع التعصب أو الحسابات غير السليمة.

وأشار رئيس الجمهورية إلى الأساليب الحديثة في صنع السياسات المتبعة في العالم، قائلاً: اليوم يتحدث الأدب العلمي العالمي عن «السياسة والإدارة القائمتين على الشواهد»، أي إن القرارات يجب أن تستند إلى بيانات موثوقة وتحليلات رصينة وأسس متينة، لا أن تقوم على الذهنيات أو الافتراضات غير المثبتة أو الانطباعات الشخصية.

وتابع: إن القرآن يبيّن هذا التمييز بتعبيري «الكلمة الطيبة» و«الكلمة الخبيثة». فالكلمة الخبيثة كالنبات الذي لا جذور له، يبقى على سطح الأرض، بلا ثبات، وتقتلعُه أي ريح. أما الكلمة الطيبة فلها جذور، وهي راسخة وتؤتي ثمارها. والكلام الصحيح له جذور؛ يجب أن يُقال، وعندما يُقال يجب أن يُقبَل. كما أن اتخاذ القرار السليم يتشكل عندما نرى بشكل صحيح، ونسمع بشكل صحيح، ونحلل بشكل صحيح.

لا يمكن حلّ المشكلات المعقّدة بوصفات عامة ومكررة

وأكد رئيس الجمهورية أن عبئاً كبيراً من هذه المسؤولية يقع على عاتق مراكز العلوم الإنسانية في جميع التخصصات والمجالات، قائلاً: يجب أن تكون نظرتنا كالأطباء؛ فالخطوة الأولى هي التشخيص الدقيق للألم، ثم تقديم الوصفة المناسبة لكل داء. فلكل مرض علاجه الخاص، ولا يمكن معالجة القضايا المعقدة بوصفات عامة ومكررة.

وأوضح بزشكيان أنه على مدى سنوات، أجرينا في الجامعة حوارات مع الوزراء والأساتذة الكرام حول معضلات البلاد، مضيفاً: أطلب من المجتمع الجامعي أن يهبّ للمساعدة في حل القضايا؛ من المياه والكهرباء والغاز والطاقة إلى الصناعة والتجارة والمسائل الاجتماعية والاقتصادية. فهذه ليست موضوعات تُحل بمجرد الإدارة اليومية للأجهزة. ولو كانت الآليات الإدارية القائمة كافية وحدها، لكانت كثير من هذه المشكلات قد حُلّت حتى الآن.

وفي ختام كلمته شدد رئيس الجمهورية على أن نظرتنا وإيماننا واعتقادنا يجب أن تقوم على قبول الصدق والصواب والانحناء أمامهما، وأن نرى عيوبنا ونصلحها حتى نتمكن من الوقوف إلى جانب بعضنا البعض. يجب أن تساعدونا في إيصال المجتمع إلى الوحدة والتماسك. علينا أن نتكاتف ونُفعّل الثقافة الإيرانية ـ الإسلامية في هذا البلد. وهذا الأمر لا يتحقق بالكلام أو بالخطب؛ بل يجب أن نعمل.

رأيك
captcha