«عزازيل»… رحلة الشك من التاريخ إلى وعي الحاضر
تقرير خاص بوكالة برنا ـ القسم العربي: عندما تُرجمت «عزازيل» إلى الفارسية، ظنّ كثيرون أنهم أمام رواية تاريخية فحسب، تستعيد مرحلة مبكرة من المسيحية. لكن سرعان ما تبيّن أن قيمة العمل أبعد من إعادة بناء الماضي. فقد استطاع يوسف زيدان أن يستخرج من قلب التاريخ سؤالاً معاصراً تماماً: ماذا يعني أن يعيش الإنسان ممزقاً بين الإيمان والرغبة في السؤال؟
هذه الخصيصة جعلت الرواية بالنسبة إلى القارئ الإيراني نصاً حيّاً ومؤثراً، لا مجرد حكاية عن زمن بعيد. فالماضي هنا يلمّح باستمرار إلى الحاضر، ويستدعي خبرة مألوفة من الحيرة والاختيار والوحدة، الأمر الذي منح العمل قدرة على عبور الأزمنة.
السرد؛ اعترافات راهب
تمضي الرواية في شكل مخطوطات يكتبها راهب يُدعى «هيبا»، يتنقل داخل جغرافيا مليئة بالتوترات الدينية والسياسية، بينما يواجه في الوقت نفسه صراعاته الداخلية. يشهد انقسامات عقائدية وأعمال عنف وصراعاً على النفوذ، وفي كل خطوة يسمع صوتاً خفياً ــ عزازيل ــ يحاوره ويجادله.
بهذه التقنية، يتحول النص من سجل تاريخي إلى رحلة نفسية عميقة. القارئ لا يراقب الأحداث من الخارج، بل يقترب من ارتباكات البطل وتردده، فيشعر أنه شريك في التجربة. وهنا تخرج الوقائع من إطارها التوثيقي لتصبح معايشة إنسانية.
التاريخ مرآة للحاضر
على الرغم من أن الأحداث تعود إلى القرن الخامس الميلادي، فإن كثيراً من القراء في إيران وجدوا صدى لأسئلة معاصرة داخل الصفحات. النقاش حول تفسير الدين، وعلاقة العقيدة بالسلطة، وموقع الفرد أمام المؤسسات، كلها قضايا ما زالت حية في مجتمعات عديدة.
بهذا المعنى، لا يُستدعى الماضي بوصفه ذكرى بعيدة، بل كأداة للتفكير في الزمن الراهن. ويكتشف القارئ أن الأسئلة الجوهرية لم تتغير كثيراً، وإنما تبدلت أشكالها فقط.
لماذا حظيت بكل هذا الاهتمام في إيران؟
يرتبط نجاح الرواية بعدة عوامل. فالقارئ الفارسي يميل تقليدياً إلى الأعمال التي تمزج التاريخ بالفلسفة، إضافة إلى أن البناء السردي المشوق جعل الأفكار المعقدة في متناول جمهور واسع. كما أن الأسئلة التي يطرحها العمل تتجاوز حدود دين أو جغرافيا، وتمس علاقة الإنسان بالحقيقة.
وفضلاً عن ذلك، تمنح الرواية قارئها مساحة للتأمل من دون أن تفرض عليه حكماً جاهزاً. هذه الحرية في التلقي جعلتها قادرة على الوصول إلى شرائح فكرية متنوعة، إذ يرى كثيرون في «هيبا» صورة للإنسان الباحث الذي يريد أن يؤمن لكنه لا يستطيع التوقف عن التساؤل.
اللغة والترجمة؛ كيف انتقلت التجربة؟
أدت الترجمة الفارسية دوراً أساسياً في انتشار «عزازيل». فاللغة جاءت متوازنة بين الوضوح والعمق، ما أتاح الدخول إلى العالم الروائي من دون حاجة إلى خلفية تاريخية متخصصة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المستويات الفكرية للنص.
هذا التوازن جعل الرواية حاضرة في الندوات الجامعية كما في قراءات الجمهور العام، وسمح لها بأن تكون عملاً مفتوحاً على قراءات متعددة.
رواية تُنتج النقاش
من الكتب التي تبدأ فعلياً بعد الصفحة الأخيرة. القراء يعودون إلى الشخصيات، ويتجادلون حول القرارات، ويتساءلون عن العلاقة بين الإيمان والعنف. بعضهم يذهب إلى المراجع التاريخية، وآخرون يبحثون عن روايات موازية، فيتوسع الأثر خارج حدود النص.
هذه القدرة على إثارة الحوار هي أحد أسباب استمرار حضور الرواية في قوائم القراءة والاهتمام.
الأدب وعبور الحدود
إن استقبال «عزازيل» في إيران يبرهن على أن الرواية قادرة على تخطي الحواجز اللغوية. فالسرد يخلق مساحة للتعاطف، ويضع القارئ داخل تجربة مختلفة، لكنها في الوقت ذاته مألوفة على المستوى الإنساني.
وهكذا يصبح الأدب مجالاً لفهم الآخر من خلال حياته وأسئلته، لا عبر الشعارات. وربما لهذا السبب وجد العمل مكاناً ثابتاً في ذاكرة قرائه، لأنه جاء من خارج الحدود الجغرافية، لكنه لامس قضايا داخلية عميقة.
