الحكيم الذي حوّل الفارسية إلى لغة العلم

|
۲۰۲۶/۰۲/۲۵
|
۱۲:۰۰:۰۲
| رمز الخبر: ۱۸۲۳
الحكيم الذي حوّل الفارسية إلى لغة العلم
أُقيمت يوم الثلاثاء الموافق 24 فبراير، عبر الإنترنت، احتفالاً بذكرى خواجة ناصر الدين الطوسي، الفيلسوف والفقيه والرياضي الإيراني البارز، بعنوان "مهندس الحكمة في مجال المعرفة"، وذلك بفضل جهود جمعية التراث الثقافي والتكريم.

وأفادت وكالة برنا للأنباء، أن في بداية الحفل، قال رئيس جمعية التراث الثقافي والتكريم " محمود شالویی " : "إنّ العديد من عظماء العالم قد برزوا في التراث الثقافي الإيراني، الذين تتألق أسماؤهم ورموزهم في أرجاء المعمورة، ويُجلّهم العالم ويفخر بهم".

وأضاف: "من بين هؤلاء العظماء، يبرز خواجة ناصر الدين الطوسي كشخصية فذة، تفوقت على غيرها في شتى المجالات، من الحكمة والفلسفة إلى اللاهوت والرياضيات والفلك، وأصبحت مصدراً للعديد من الأعمال القيّمة".

قال: "عندما حان وقت الحديث عن خواجة، بحثتُ في مكتبة الجمعية عن مؤلفاته. ولحسن الحظ، وجدتُ العديد منها. ومن بينها، كتابٌ يبدو صغيرًا، لا يتجاوز ثمانين صفحة، ولكنه شهيرٌ وغنيٌّ بمعلومات قيّمة، وهو من تأليف الأستاذ الراحل جلال الدين حمائي، بعنوان "الحكمة العملية"، وكان مثيرًا للاهتمام.

وتابع" محمود شالویی " : "يحتوي هذا الكتاب في الواقع على محاضرةٍ ألقاها الأستاذ حمائي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة طهران عام ١٩٦٨، ونُشرت بخط يده عام ١٩٦٩. وقد أهداها الأستاذ الراحل إلى الدكتور سيد محمد تقي مصطفوي (أحد مؤسسي جمعية الأعمال الثقافية والتكريم)، الذي بدوره أهداها إلى مكتبة الجمعية في نفس الوقت الذي كانت تُسمى فيه الجمعية الوطنية للأعمال الثقافية."
وأكد رئيس جمعية الأعمال الثقافية والتكريم: "تحدث خواجة ناصر الدين الطوسي عن الحكمة العملية، بدءًا من تهذيب النفس." ومن الأخلاق إلى إدارة المنزل والسياسة المتحضرة، ويُعدّ كتاب "أخلاق نصير" أحد أبرز أعماله في هذا المجال.

وأضاف: كان خواجه مُلِمًّا بمختلف العلوم، واستفاد من علاقته بالمؤسسة الحاكمة في تحقيق التقدم العلمي، ومن أمثلة ذلك مرصد مراغة.

وفي الختام، أكّد محمود شالویی على ضرورة تبسيط أعمال هؤلاء العظماء لجيل اليوم لكي تُعرف هذه الشخصيات المؤثرة بشكل أفضل وأوسع.

تنويه خاص بخواجه الطوسي باللغة الفارسية

علاوة على ذلك، أشار الأستاذ المتقاعد بكلية اللاهوت والدراسات الإسلامية بجامعة طهران، نجفقلي حبيبي، إلى مكانة خواجه نصير الدين الطوسي، قائلاً: يُعدّ خواجه أحد كبار حكماء القرن السابع الهجري، وأحد أبرز الشخصيات في العالم الإسلامي، وقد خُلد اسمه بين كبار علماء التاريخ. بعد مغادرته طوس، أمضى بعض الوقت في قلاع الإسماعيليين، حيث درّس وكتب وأدار شؤون الدولة، حتى وافته المنية. حظي الخواجة باحترام كبير ووُكِلت إليه مسؤوليات اجتماعية هامة عند وصول المغول وهولاغو خان.

وتابع: سعى الخواجة إلى مواصلة عمله العلمي في جميع الظروف، سواء خلال العصر الإسماعيلي أو بعد استقرار المغول. ومن أهم أعماله إنشاء مرصد مراغة، الذي أصبح مركزًا علميًا. كما سعى إلى الحد من حدة إراقة الدماء والدمار خلال الهجوم على بغداد، وأنقذ العديد من الكتب والموارد العلمية من التلف ونقلها إلى مراغة.

وفي إشارة إلى مسؤولية الخواجة في أوقاف الأراضي الخاضعة للحكم المغولي، قال حبيبي: استغل هذه الفرص لدعم العلماء، والاهتمام بالشؤون الثقافية، وتوسيع نطاق الأنشطة العلمية، وحمى العديد من المراكز العلمية في العالم الإسلامي من التلف والدمار.

وأكد: إلى جانب أنشطته السياسية والاجتماعية، للخواجة الطوسي مؤلفات عديدة في علم الفلك والرياضيات والفلسفة. ولا يزال شرحه لكتاب "الإشارات" لابن سينا ​​يُدرَّس في الحوزات العلمية. ومن أهم ما يميز أعماله أنه كتب... جزء كبير من أعماله العلمية باللغة الفارسية؛ وخاصة في الرياضيات، مما يدل على أن خواجة أولى اهتماماً خاصاً بالحفاظ على اللغة الفارسية حية وعلمية.

العلم والسياسة في فكر خواجه
في سياق آخر أستاذ وباحث في الفلسفة الإسلامية، قال  "منوشهر صدقي سها"،  في خطاب له: من المعلوم أن الفلاسفة يعيشون في عزلة عن الواقع، أي أنهم غافلون عن القضايا الاجتماعية المحيطة بهم؛ ولعل هذا القول ليس بعيدًا عن الحقيقة، ولكن في تاريخ فلسفتنا، برز حكيمان عظيمان من هذه العزلة: أولهما ابن سينا، وثانيهما خواجه ناصر الدين الطوسي، وكلاهما وصل إلى منصب رئيس الوزراء.

وأضاف: يمكن الحديث عن خواجه من منظورين: المنظور العلمي والمنظور السياسي؛ فإذا اقتصر الحديث على المنظور العلمي فقط، ستكون المعرفة ناقصة.

في معرض حديثه عن العبارات الختامية لكتاب "تجريد الإثبات"، قال صادقي سها: يذكر خواجة أنه كتب شرح الإثبات في أحلك الظروف، وسط تراكم المشاق، وتشوش الذهن، وذرف الدموع، وفي أماكن كان يسودها الخوف الدائم من النار والعذاب؛ "ليس فيه شيء إلا وقد تم استخلاص جوهره، ولا يوجد فيه إفراط في التفكير".

وتابع: يقارن العارفون بحياة خواجة هذه التفسيرات بصلته بالإسماعيليين، ثم بهولاغو خان. ولذلك، يُعد خواجة من الفلاسفة الذين لا يمكن التعرف عليهم من منظور علمي بحت.

وأكد: أن خواجة فيلسوف وعالم دين شيعي من الطراز الأول. ووفقًا له، كان علم الكلام قبل القرن السابع الميلادي مجرد وسيلة للحفاظ على أحكام الشريعة، ولكن مع خواجة وكتابه "تجريد الإثبات"، تطور علم الكلام إلى فهم حقائق الوجود استنادًا إلى الأدلة الإسلامية.

أكد صدوقي سها على أهمية كتاب "التجريد" لدرجة أنه كُتبت عليه مئات الشروح والحواشي، حتى أن ترتيب مواضيع كتاب "الأسفار" لصدر الدين الشيرازي يُضاهي ترتيب مواضيع "التجريد"، مما يدل على تأثيره العميق على خواجة الطوسي.

القوة الفكرية والمكانة العلمية لخواجة الطوسي

وأخيرًا، أشار الأستاذ بجامعة خواجة ناصر الدين الطوسي، " حجة الحق حسيني"، إلى إرث خواجة العلمي قائلاً: نشأ خواجة الطوسي في أسرة فاضلة، وبفضل جهود والده، تعلم الرياضيات على يد كمال الدين محمد بن سبأ، تلميذ بابا أفضل الكاشاني.

القوة الفكرية والمكانة العلمية لخواجة الطوسي ... وأضاف: بعد الغزو المغولي وإقامته في قهستان، ألّف كتاب "أخلاق ناصري"، والأهم من ذلك "رسالة موينية" في الحيّة، كما ألّف "أساس الإقتباس" في المنطق و"أخلاق محتشمي" في الفترة نفسها.

وتابع: بعد ثلاثة عقود من الإقامة القسرية، ألّف "شرح الإشعار" و"تحرير أصول العقل" و"تحرير المجسطي" في ألموت. ومع سقوط ألموت، استدعاه هولاكو باحترام وأوكل إليه إدارة الأوقاف. بعد فتح بغداد، تواصل مع علماء الحلة، بمن فيهم العلامة الحلي، وفي عام 657 هـ، أسس مرصد مراغة، وجمع علماء بارزين مثل فخر الدين الأخلطي، ونجم الدين الكتابي القزويني، ومؤيد الدين الأرزي الدمسقي.

وأوضح حسيني: في مراغة، مستفيدًا من نظام الأوقاف، استعان بأعظم الفلاسفة والرياضيين، وأعدّ الزيج الإيلخاني بناءً على ملاحظات جديدة.

وأضاف: في علم المثلثات، أسس بكتابه "كشف القناع عن أسرار شكل الغست" علم المثلثات الكروية كعلم مستقل، وصاغ قانون الجيب صراحةً لأول مرة.

وتابع الأستاذ الجامعي خواجة ناصر الدين الطوسي: "كانت كتابات خواجة عن الأعمال اليونانية، من كتاب مبادئ إقليدس إلى كتاب الجبر لبطليموس، مصحوبة بفهم دقيق وخالٍ من الأخطاء".

وأكد حسيني: "خمسة وعشرون من مؤلفات خواجة مكتوبة بالفارسية، مما يدل على أن الفارسية كانت لغة العلوم والفلسفة في القرن السابع الميلادي".

واختتم قائلاً: "إن النفوذ السياسي لخواجة، وقوته الفكرية، وسلطته العلمية، جعلت منه شخصية شاملة نظمت العلوم وتركت إرثًا خالدًا في الرياضيات والفلك الإسلاميين".

*انتهى*

رأيك
captcha