انتهت الحرب... لكن الأرض ما زالت تحترق
وأفادت وكالة "برنا" للأنباء أن المعطيات الرسمية والتقديرات البيئية تشير إلى أن الحرب التي استمرت 12 يوماً خلال شهري خرداد وتير 1404، والحرب التي استمرت 40 يوماً بين أواخر عام 1404 ومطلع عام 1405، تركتا آثاراً واسعة على البيئة الإيرانية.
ملايين اللترات من الوقود احترقت وآلاف الأطنان من الملوثات انتشرت في الجو
وبحسب تقارير منظمة حماية البيئة الإيرانية، أدت الهجمات التي استهدفت البنية التحتية للطاقة خلال الحرب الأولى إلى فقدان نحو 19.5 مليون لتر من المشتقات النفطية المخزنة في مستودعات الوقود.
وأسفرت هذه الحوادث عن انبعاث كميات كبيرة من الملوثات الخطرة والغازات الدفيئة إلى الغلاف الجوي. ففي العاصمة طهران وحدها، قُدّرت الانبعاثات بنحو 578 ألف كيلوغرام من ملوثات الهواء، إضافة إلى ما يقارب 47 ألف طن من الغازات الدفيئة.
كما تسبب تضرر المنشآت الغازية في جنوب البلاد في احتراق نحو 5.5 ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعي وانبعاث أكثر من 12 ألف طن من الغازات الدفيئة.
ويرى خبراء أن مستويات التلوث المسجلة خلال بعض أيام الحرب تجاوزت بأضعاف معدلات التلوث اليومية المعتادة في المدن الكبرى، ما أدى إلى وصول مؤشرات جودة الهواء في بعض المناطق إلى مستويات مقلقة.
تسعة آلاف هكتار من الطبيعة التهمتها نيران الحرب
ولم تقتصر الأضرار على تلوث الهواء، إذ تشير الإحصاءات الرسمية إلى تضرر أو احتراق نحو تسعة آلاف هكتار من الغابات والمراعي والأراضي الطبيعية خلال الحرب.
كما تعرضت ثلاثة عشر منطقة خاضعة لإدارة منظمة حماية البيئة في سبع محافظات لأضرار مباشرة.
ويؤكد مختصون في الموارد الطبيعية أن استعادة الغطاء النباتي في بعض هذه المناطق قد تستغرق ما بين عشر سنوات وثلاثين سنة، في حين قد تكون بعض الخسائر التي لحقت بالتنوع البيولوجي غير قابلة للتعويض.
جبال من الأنقاض ومخلفات الحرب
ومن بين التداعيات الأقل ظهوراً للحرب، الحجم الهائل للأنقاض والمخلفات الناتجة عن تدمير المباني والبنى التحتية.
ووفقاً للإحصاءات الرسمية، تم إنتاج نحو 150 ألف طن من الأنقاض ومخلفات الحرب في مدينة طهران وحدها.
ولا تقتصر خطورة هذه المخلفات على تكاليف إزالتها، بل تشمل أيضاً احتمال تسرب المعادن الثقيلة والمركبات النفطية وبقايا المتفجرات وغيرها من الملوثات الكيميائية إلى التربة والمياه الجوفية، وهي أضرار قد لا تظهر آثارها إلا بعد سنوات طويلة.
تلوث صامت يهدد التربة والمياه
ويؤكد خبراء البيئة أن بعض أخطر نتائج الحروب لا تظهر أثناء المعارك، بل تتكشف خلال السنوات اللاحقة.
فالتسربات النفطية من الخزانات المتضررة، وانتقال المواد الكيميائية إلى التربة، وبقاء مخلفات الذخائر في المناطق المستهدفة، كلها عوامل قد تؤثر على جودة المياه الجوفية لفترات طويلة.
وعلى عكس تلوث الهواء الذي تظهر آثاره سريعاً، فإن تلوث التربة والمياه يتطور بشكل تدريجي وصامت، وقد يستمر لعقود.
تقديرات مقلقة للحرب الثانية
ورغم أن التقييمات الرسمية الخاصة بالحرب الأخيرة لم تكتمل بعد، فإن بعض التقارير الدولية والتقديرات غير الرسمية ترسم صورة أكثر إثارة للقلق.
فبحسب هذه التقديرات، تسببت الهجمات على المصافي ومنشآت الطاقة في انبعاث نحو 30 ألف طن من غاز ثاني أكسيد الكبريت خلال فترة زمنية قصيرة، وهو رقم شبّهه بعض المحللين بالانبعاثات الناتجة عن ثوران بركاني ضخم.
كما تحدثت هذه التقارير عن ارتفاع مستويات الجسيمات السامة العالقة في الهواء، واحتمال هطول أمطار ملوثة في بعض المناطق، إضافة إلى زيادة حالات المراجعة الطبية المرتبطة بالمشكلات التنفسية خلال الأيام الأولى من الحرب، رغم أن هذه المعطيات لم تُؤكد رسمياً بعد.
الضحية الصامتة للحروب
وأظهرت التجارب الأخيرة أن الحروب لا تستهدف البشر والبنى الاقتصادية فحسب، بل تدفع البيئة أيضاً ثمناً باهظاً، حيث تتضرر الموارد المائية والتربة والغابات والحياة البرية.
ويأتي الأسبوع الوطني للبيئة هذا العام في وقت لا تزال فيه الطبيعة الإيرانية تتحمل آثار هذه الخسائر. فبينما يمكن إعادة بناء مبنى خلال أشهر أو سنوات، قد يستغرق ترميم نظام بيئي متضرر عقوداً كاملة، وهو ما يجعل البيئة واحدة من أكبر الضحايا الصامتين لأي حرب.