الرياضة والشباب.. مسار نحو مزيد من التقارب بين طهران وباكو
لا ينبغي تقييم زيارة وزير الرياضة والشباب في الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى جمهورية أذربيجان باعتبارها مجرد زيارة رياضية رسمية أو مجموعة من اللقاءات الثنائية. فالزيارة وتوقيع وثيقة البرنامج التنفيذي للتعاون في مجالي الرياضة والشباب بين البلدين، في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة، تحمل أبعاداً سياسية وجيوسياسية ورياضية واجتماعية، ويمكنها تفعيل جانب من قدرات الدبلوماسية العامة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في علاقاتها مع دول الجوار.
إيران وجمهورية أذربيجان دولتان جارتان تربطهما روابط تاريخية وثقافية واجتماعية واسعة. ومن الطبيعي أن تكون العلاقات بين البلدين قد تأثرت خلال السنوات الماضية بالتطورات الإقليمية وبعض التقلبات السياسية. وفي مثل هذه الأجواء، يمكن لتطوير العلاقات في المجالات ذات الطابع الاجتماعي والشعبي والأقل توتراً أن يسهم في تعزيز الثقة وتهيئة الأرضية لتوسيع التعاون في المجالات الأخرى. ويُعد قطاعا الرياضة والشباب تحديداً من أبرز هذه المجالات.
ومن المنظور السياسي، تمثل هذه الزيارة والحوار المباشر بين المسؤولين الرياضيين في البلدين مؤشراً على إرادة طهران وباكو لتطوير العلاقات والتحرك نحو تعاون عملي. وتزداد أهمية هذا الأمر عندما تتجاوز التفاعلات مستوى الحوار وإعلان الاستعداد، لتتبلور في إطار وثيقة للبرنامج التنفيذي للتعاون في مجالي الرياضة والشباب. وفي حال تنفيذ هذه الوثيقة بصورة دقيقة، فإنها يمكن أن تحوّل التعاون المرحلي إلى مسار مخطط ومستمر.
ومن المنظور الجيوسياسي أيضاً، تحظى الدبلوماسية الرياضية بأهمية خاصة في العلاقات بين إيران وجمهورية أذربيجان. ويُعد جنوب القوقاز إحدى المناطق المهمة في المحيط الجغرافي لإيران، كما أن استقرار هذه المنطقة وأمنها وتطوير التعاون بين دولها يرتبط بصورة مباشرة بالمصالح الوطنية للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وكلما اتسعت شبكة العلاقات الرسمية والشعبية بين إيران وجيرانها، ازدادت القدرة على الحوار وتقليص سوء الفهم وإدارة الخلافات المحتملة.
وفي هذا السياق، تتميز الرياضة بخاصية مهمة، إذ يمكنها أن تربط السياسة بالمجتمع. فالمنافسات المشتركة والمعسكرات الرياضية وتبادل المدربين والرياضيين والتعاون بين الاتحادات والاستفادة من القدرات التعليمية والعلمية وحتى إقامة مباريات بين المنتخبات الوطنية للبلدين، كلها تخلق تواصلاً لا يقتصر جمهوره على الحكومات، بل يشارك فيه الشعبان، ولا سيما جيل الشباب، بصورة مباشرة.
وفي المجال الرياضي، كشفت هذه الزيارة أيضاً عن إمكانات كبيرة. فقد أتاحت زيارة المنشآت والبنى التحتية الرياضية في جمهورية أذربيجان في مختلف الألعاب، بما في ذلك الجودو والرماية والسباحة والكارتينغ والجمباز والرياضات الشاطئية، فرصة للتعرف عن قرب على الإمكانات وتبادل الخبرات ودراسة مجالات التعاون المشترك. كما يمكن أن يكون اقتراح إقامة مباريات ودية بين منتخبي إيران وجمهورية أذربيجان لكرة القدم والاتفاق بشأنها أحد المظاهر الملموسة لهذا التعاون؛ وهو حدث يحمل، إلى جانب قيمته الفنية والرياضية، رسالة اجتماعية ودبلوماسية واضحة.
لكن ربما يكون مجال الشباب أحد أهم جوانب هذا التعاون. فكل من إيران وجمهورية أذربيجان تمتلكان طاقات شبابية كبيرة، ويمكن لتطوير العلاقات بين المؤسسات المعنية بالشباب، وتبادل الوفود والخبرات، وإقامة البرامج والفعاليات المشتركة، وإيجاد قنوات تواصل بين النخب الشابة، أن ينقل العلاقات بين البلدين من مستوى العلاقات الرسمية إلى مستوى الروابط الاجتماعية المستدامة. وإذا كان الهدف هو ترسيخ علاقات الجوار على المدى الطويل، فمن الضروري أن يتعرف الجيل الجديد في البلدين إلى بعضه بصورة أفضل.
كما تحظى الدعوة الرسمية التي وجهها وزير الرياضة والشباب في الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى نظيره الأذربيجاني لزيارة طهران بأهمية من هذا المنظور. فاستمرار الزيارات المتبادلة بين المسؤولين وتحويل الاتفاقات التي تم التوصل إليها إلى برامج تنفيذية محددة يمكن أن يحوّل هذه الزيارة من مجرد حدث دبلوماسي إلى نقطة انطلاق لمسار جديد.
الدبلوماسية الرياضية ليست بديلاً عن الدبلوماسية السياسية، لكنها يمكن أن تكون مكملاً ذكياً لها. ففي بعض الأحيان، تستطيع مباراة رياضية أو معسكر مشترك أو اجتماع شباب البلدين أو التعاون بين اتحادين رياضيين أن يفتح طريقاً لتقارب الشعبين قد يكون الوصول إليه عبر المفاوضات الرسمية وحدها أكثر صعوبة.
ومن هذا المنظور يمكن تقييم زيارة وزير الرياضة والشباب الإيراني إلى جمهورية أذربيجان باعتبارها محاولة لتحويل إمكانات الرياضة والشباب إلى جزء من سياسة الجوار للجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وهي سياسة تتكامل فيها المصالح الوطنية والتعاون الإقليمي والتواصل بين الشعوب والدبلوماسية العامة.
إن توقيع وثيقة التعاون ليس نهاية هذه الزيارة؛ بل ستتضح قيمتها الحقيقية عندما تتحول بنودها إلى مسابقات مشتركة، وتبادل للرياضيين والمدربين، وتعاون بين الاتحادات، وبرامج مشتركة للشباب، وعلاقات مستدامة بين البلدين.
يمكن لطهران وباكو أن تجعلا من الرياضة لغة مشتركة للحوار، ومن الشباب استثماراً لبناء مستقبل أفضل للعلاقات بين البلدين.
محسن معتمدكيا، المدير العام للعلاقات العامة في وزارة الرياضة والشباب