حين تصبح العودة إلى محمد(ص) ضرورةً لعالمٍ مضطرب
سعیدة کریمي - يحلّ الثامن والعشرون من صفر، ذكرى رحيل النبي الأعظم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وليس استحضار هذه المناسبة مجرد وقوف عند حدث عظيم في التاريخ الإسلامي، بل هو عودة إلى رسالة لا تزال البشرية، ربما أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى جوهرها الأخلاقي والإنساني.
لقد رحل رسول الله (ص) عن هذه الدنيا، لكن المشروع الذي حمله لم يكن مشروعاً مرتبطاً بزمن أو جغرافيا محددة. كان مشروعاً لبناء الإنسان قبل بناء الدولة، ولإقامة العدل قبل توسيع السلطة، ولجعل الأخلاق أساساً للعلاقات بين البشر.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق ذكرى رحيله ليس فقط: كيف نحيي ذكرى النبي؟ بل: كم بقي من محمد (ص) في سلوك مجتمعاتنا وفي واقع عالمنا اليوم؟
العالم المعاصر يمتلك من أدوات القوة والمعرفة والتكنولوجيا ما لم تعرفه البشرية في أي عصر سابق، لكنه في الوقت نفسه يشهد حروباً دامية، واتساعاً للفقر وعدم المساواة، وتصاعداً للكراهية والعنصرية، وتراجعاً في قيمة الإنسان أمام المصالح السياسية والاقتصادية.
وفي قلب هذا الاضطراب، تبدو الرسالة المحمدية شديدة الحضور؛ لأنها بدأت أساساً من إعادة الاعتبار إلى الإنسان.
لقد جاء النبي (ص) إلى مجتمع أنهكته العصبيات والانقسامات والصراعات، فعمل على نقل الإنسان من منطق القبيلة إلى مفهوم الأمة، ومن الانتقام إلى التسامح، ومن التمييز إلى الكرامة، ومن عبادة القوة إلى مسؤولية العدالة.
ولعل واحدة من أعظم معجزات التجربة النبوية أنها استطاعت أن تجمع جماعات وقبائل وطبقات مختلفة داخل مجتمع واحد، دون أن تجعل الاختلاف سبباً دائماً للصراع.
وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل التي يمكن للعالم الإسلامي أن يستعيدها اليوم.
فالأمة الإسلامية، رغم ما تمتلكه من إمكانات بشرية واقتصادية وثقافية وجغرافية هائلة، ما زالت تدفع أثمان الانقسام والنزاعات والاستقطابات. وما أحوج المسلمين في ذكرى رسولهم إلى استعادة ذلك المبدأ الذي جعل من المدينة مجتمعاً قادراً على احتواء التنوع وبناء المصير المشترك.
الوحدة في المنطق النبوي لم تكن إلغاءً للاختلاف، بل إدارةً أخلاقية وحكيمة له.
كما أن سيرة الرسول (ص) تقدم مفهوماً عميقاً للقوة يختلف عن المفهوم السائد في عالمنا المعاصر. فالقوة في المدرسة المحمدية ليست القدرة على البطش بالآخر، وإنما القدرة على حماية الحق ومنع الظلم وصيانة كرامة الإنسان.
ولذلك لم تكن الرحمة في سيرة النبي نقيضاً للقوة، كما لم يكن العفو دليلاً على الضعف. لقد استطاع رسول الله (ص) أن يكون قائداً حازماً حين يتطلب الموقف الحزم، ورحيماً حين تكون الرحمة طريقاً لإصلاح الإنسان.
وعندما دخل مكة منتصراً بعد سنوات من الاضطهاد والحصار والحروب، كان قادراً على الانتقام ممن آذوه وأخرجوه من وطنه، لكنه اختار أن يجعل لحظة النصر باباً للعفو. وهنا قدّم للبشرية درساً يتجاوز حدود الزمان: إن أعظم انتصار ليس أن تهزم خصمك، بل أن تنتصر على رغبتك في الانتقام حين تصبح قادراً عليه.
وفي زمن تتعرض فيه شعوب كثيرة للحروب والتهجير والجوع، تصبح العودة إلى أخلاق النبي (ص) أكثر من مجرد خطاب ديني. إنها دعوة لإعادة الإنسان إلى مركز السياسة والعلاقات الدولية.
لا يمكن لعالم يتحدث عن حقوق الإنسان أن يصمت أمام دماء الأطفال، ولا يمكن للعدالة أن تتغير بتغير هوية الضحية أو جنسية المعتدي. فالكرامة الإنسانية في الرسالة التي جاء بها محمد (ص) ليست امتيازاً تمنحه القوة لمن تشاء، بل حق أصيل للإنسان.
وفي ذكرى رحيل الرسول الأعظم، تقع على عاتق المسلمين أيضاً مسؤولية تقديم صورة حقيقية عن نبيهم إلى العالم؛ ليس فقط عبر الخطب والاحتفالات والشعارات، وإنما من خلال السلوك.
فحين يكون المسلم صادقاً، فهو يقدم صورة عن محمد. وحين يقف مع المظلوم، فإنه يقدم صورة عن محمد. وحين يحترم الإنسان المختلف عنه، ويحفظ الأمانة، ويرفض الظلم والفساد والكراهية، فإنه يحوّل السيرة النبوية من صفحات تُقرأ إلى قيم تُرى.
وهذه ربما هي المسألة الأهم: أن يتحول حب النبي من عاطفة إلى مسؤولية.
إن رسول الله (ص) لم يطلب من أمته أن تتغنى باسمه فحسب، وإنما ترك لها منظومة من القيم؛ العدالة، والرحمة، والصدق، والأمانة، والعلم، والتكافل، واحترام الإنسان، ومواجهة الظلم.
وبقدر ما تستطيع المجتمعات الإسلامية تحويل هذه القيم إلى مؤسسات وثقافة وسلوك عام، تكون أكثر قرباً من الرسالة التي حملها النبي.
الثامن والعشرون من صفر هو يوم حزن في الذاكرة الإسلامية، لكنه في الوقت نفسه مناسبة للتأمل في المستقبل.
فبعد قرون من رحيل النبي محمد (ص)، لا يزال العالم يبحث عن السلام، ولا يزال الإنسان يبحث عن العدالة، ولا تزال المجتمعات تبحث عن صيغة تجمع بين القوة والأخلاق، وبين الاختلاف والتعايش، وبين التقدم المادي والكرامة الإنسانية.
وهنا تحديداً تبقى الرسالة المحمدية حية.
لقد رحل النبي (ص)، لكن السؤال الذي تركه أمام الأجيال لم يرحل:
هل نستطيع أن نبني عالماً يكون فيه الإنسان أكرم، والعدل أقوى، والرحمة أوسع من الكراهية؟
ربما يكون أفضل إحياء لذكرى رسول الرحمة، أن نحاول الإجابة عن هذا السؤال بأفعالنا، لا بكلماتنا فقط.