جرحٌ في قلب إيران لن يندمل
وأفادت وكالة برنا للأنباء، اليوم، وفي الذكرى الأربعين لتشييع وجنازة الشهيد، ارتدت إيران ثوب الحداد من جديد؛ العيون دامعة والقلوب مثقلة بالأسى على رجلٍ رحل، لكن ذكراه ظلت خالدة في وجدان الملايين. لقد رحل الرجل الذي ارتبط اسمه لسنوات بالمقاومة وبأيام الوطن الصعبة. ورغم مرور أربعين يوماً على ذلك الوداع التاريخي، لا يزال صدى خطوات الحشود وهمسات الحزن في الشوارع يتردد في مسامع من شهدوا مراسم التوديع الأخيرة.
إن ذكرى الأربعين هي دائماً يوم استحضار الذكريات، حيث يتجدد الألم وتتجه الأنظار لاإرادياً نحو صورة الشهيد. في مثل هذا اليوم، تقف إيران مجدداً لتتذكر قائدها الشهيد؛ ليس فقط للبكاء، بل لاستلهام المسار الذي شدد عليه طوال سنوات عمره.
شهدت مراسم الأربعين إقامة مراسم تكريمية كبرى بحضور رؤساء السلطات ومسؤولين وعدد من عائلة الشهيد. ومن بين الحشود، يبرز مشهد إنساني مؤثر: رجل مسن قضى سنوات شبابه في أيام الثورة، يمسك بصورة الشهيد بيدين مرتجفتين، وإلى جانبه طفل صغير قد لا يكون قد عاصر تقلبات تلك السنوات، لكنه اليوم يتلقى اسم الشهيد من أفواه والديه. هذا المشهد ليس مجرد صورة عابرة، بل هو تجسيد للترابط بين الأجيال؛ جيلٌ يمتلك الذاكرة، وجيلٌ يتولى مهمة نقلها إلى المستقبل.
إن ذكرى الأربعين هي لحظة يمتزج فيها الدمع بالملحمة. يَبكي الناس، لكنهم يقفون بشموخ؛ يعزون، لكنهم يتحدثون عن المستقبل. يتحدثون عن الفقد، لكنهم لا يسمحون للفقد بأن يسلبهم الأمل. فبعض الرحيل ليس نهاية، بل هو دخول في فصل جديد من فصول التاريخ. إن إيران اليوم، في ذكرى أربعين قائدها، لا تكتفي بالحداد، بل تجدد العهد؛ عهدٌ يؤكد أن ذكرى الشهيد لا تُخلّد بالدموع وحدها، بل بالعمل، والوحدة، والمسؤولية، والخدمة.
لقد انضم اسم الشهيد السيد علي خامنئي، من موقع قيادة الأمة، إلى سجل الخالدين في هذه الأرض. واليوم، تقف إيران لتتذكر الرجل الذي كان طوال سنوات الثورة والحروب والأزمات، صوتاً للصبر والمقاومة والثبات. وقد أعلن مكتب قائد الثورة عن إقامة مراسم كبرى في طهران وقم ومشهد لإحياء هذه الذكرى.
لقد بات الفراغ الذي تركه الشهيد ملموساً أكثر من أي وقت مضى؛ فراغ ذلك الصوت الذي كان يمثل الطمأنينة للعديد من الناس في أيام الاضطراب، وصوت القائد الذي كان يدعو أتباعه دوماً إلى الحفاظ على الوحدة والاصطفاف.
لقد جاء الناس اليوم ليقولوا إن الشهادة ليست نهاية الطريق، بل جاءوا ليجددوا العهد الذي قطعوه في يوم التشييع؛ عهدٌ مع إيران، ومع الشهداء، ومع المبادئ التي سُفكت من أجلها الدماء. إن عزاء إيران اليوم ليس مجرد بكاء على فقدانٍ، بل هو سرد لقصة شعب يصنع من الألم أملاً، ويشعل من ذكرى الشهيد منارةً للغد. ولعل الرسالة الأبقى هي أن الشهيد يرحل عن بين الناس، لكن طريقه يظل حياً في قلوبهم، واسمه لن يعرف الغروب أبداً.