الأول من شهریور: يوم همدان…

مدينةٌ تختزل آلاف الروايات من التاريخ والثقافة

|
۲۰۲۶/۰۸/۲۳
|
۱۲:۵۶:۰۲
| رمز الخبر: ۲۹۷۴
همدان
لا يمكن اختزال «همدان» في إطارٍ واحد؛ فهي المدينة التي عُرفت قديماً باسم «هكمتانه» (إكباتان)، وكانت عاصمةً للميديين، وحافظت على مكانتها الرفيعة في تاريخ إيران عبر العصور اللاحقة. واليوم، تعدّ همدان بفضل معالمها الشاخصة مثل ضريحي ابن سينا وبابا طاهر، ونقوش «كنج‌نامه»، وموقع «هكمتانه» الأثري، وكهف «علي‌صدر»، واحدةً من أهم الوجهات الثقافية والسياحية في البلاد. ويعدّ الأول من شهر «شهريور» (الذي يوافق 22 أو 23 أغسطس) يوماً لمدينة همدان، وفرصةً لاستحضار هذه الهوية التاريخية والثقافية العريقة.

وأفادت وكالة برنا للأنباء، في التقويم الإيراني، يصادف الأول من شهر «شهريور» يوم الطبيب، وهو في الوقت ذاته ذكرى تخليد هذه المدينة التي وقفت شامخةً على مسار التاريخ الإيراني لقرون، حيث احتضنت في ثناياها جزءاً أصيلاً من الهوية الإيرانية، بدءاً من حقبة الميديين وصولاً إلى إرث العلم والثقافة المعاصر. إن اختيار هذا اليوم «يوماً لمدينة همدان» يرتبط ارتباطاً وثيقاً بذكرى ميلاد وتكريم العالم والطبيب الإيراني الشهير «ابن سينا»، الذي تحتضن المدينة ضريحه، وتقدم لزوارها اليوم مجموعة فريدة من الموروثات التاريخية والثقافية والطبيعية.

من «هكمتانه» إلى مدينة عريقة في قلب إيران

لا يمكن التعريف بمدينة همدان من خلال حقبة تاريخية واحدة أو معلمٍ أثري بعينه؛ فهي متجذرة في طبقات التاريخ الإيراني المتعددة. فقد كانت عاصمة للميديين، واسم «هكمتانه» في المصادر التاريخية مقترنٌ بأول حكومة إيرانية كبرى؛ وهذا الماضي التليد منح همدان مكانةً خاصة بين المدن التاريخية في إيران.

ويُعدّ الموقع الأثري لـ «هكمتانه» في قلب همدان جزءاً من ماضٍ لا يزال يمكن تتبع أثره بين بقايا العمارة واللقى المكتشفة. وتبلغ أهمية «هكمتانه» حداً يجعل من كل خطوة داخل هذا الموقع مواجهةً مع جزءٍ من تاريخ تشكّل الحضارة الإيرانية.

لكن الرواية التاريخية لهمدان لا تتوقف عند الميديين؛ فقد حافظت المدينة على أهميتها خلال العصر الأخميني، وتعتبر نقوش «كنج‌نامه» من أبرز الشواهد الباقية من تلك الحقبة. هذه النقوش التي كُتبت باللغات الفارسية القديمة، والبابلية، والعيلامية، تشكل إلى جانب الطبيعة الجبلية للمنطقة أحد أشهر المعالم التاريخية في همدان. كما كانت همدان مدينةً محوريةً في عهود الأشكانيين، والساسانيين، والبويهيين، والسلجوقيين، وهذا الاستمرار التاريخي جعل من نسيج المدينة اليوم متحفاً يمزج بين دلالات العصور الغابرة والحياة المعاصرة للسكان.

مدينةٌ تزاوج بين الثقافة والعلم

إذا كانت «هكمتانه» هي «بطاقة الهوية» التاريخية لهمدان، فإن ضريح «ابن سينا» يعدّ رمزها الثقافي والعلمي. لقد ارتبط ابن سينا -الطبيب والفيلسوف والعالم الإيراني البارز- بهوية همدان ارتباطاً وثيقاً، حتى أصبحت ساحة ضريحه واحدة من أشهر الصور الذهنية لهذه المدينة لدى الإيرانيين.

ومن هنا تبلور الرابط بين «الأول من شهريور» ومدينة همدان؛ ففي هذا اليوم الذي يوافق ذكرى ميلاد ابن سينا ويُحتفل فيه بـ «يوم الطبيب» في التقويم الإيراني، تم منذ عقد من الزمان الربط بين هذه المناسبة و«يوم همدان»، ليتعزز اقتران اسم المدينة التي تضم رفات هذا العالم الجليل بالثقافة والعلم الإيراني.

وإلى جانب ابن سينا، أحيت همدان في الذاكرة الثقافية لإيران أسماءً أخرى؛ منها الشاعر والعارف الشهير «بابا طاهر»، الذي يعدّ أحد أبرز وجوه هذه المدينة. ويعدّ ضريحه، بعمارته المتميزة وقبته الفيروزية، من أهم المعالم الثقافية في همدان، ولا تزال رباعياته الشعرية تشكل جزءاً حياً من الذاكرة الأدبية للشعب الإيراني.

وجهتٌ للتاريخ والطبيعة والتجربة

لا تقتصر جاذبية همدان على أطلالها التاريخية فحسب؛ إذ إن موقعها الجغرافي الفريد عند سفح جبال «الوند» جعل من الطبيعة جزءاً لا يتجزأ من القدرات السياحية للمدينة.

وتعد «كنج‌نامه» (كنز الأنام) واحدة من أشهر النقاط السياحية في المدينة، حيث تتربع النقوش الأخمينية في حضن شلالٍ خلاب وإطلالات جبلية ساحرة. ويشكل شلال «كنج‌نامه» مقصداً مفضلاً للسياح خلال فصول السنة الدافئة، بينما يكتسي حلةً مختلفة تماماً في الأيام الباردة. وإلى جانب المعالم التاريخية والطبيعية، يسعى مجمع «كنج‌نامه» الترفيهي، بما يوفره من مرافق مثل التلفريك والزلاجات الحديدية وغيرها من الأنشطة، إلى المزج بين السياحة التاريخية والترفيه العائلي.

أما إذا أردت مشاهدة أحد أكثر تجليات الطبيعة إبهاراً في المنطقة، فلا بد من الابتعاد قليلاً عن صخب المدينة؛ حيث تبرز «كهوف علي‌صدر» بالقرب من قرية تحمل الاسم نفسه، كواحدة من أهم المعالم الطبيعية في محافظة همدان. وهي كهوف توفر مسارات مائية تتيح للزوار تجربة التجديف في أعماق الأرض، مما يقدم تجربة استثنائية لمحبي الطبيعة.

ومن المعالم التاريخية الأخرى في المدينة، ضريحي «أستير ومردخاي»، اللذان يرويان فصولاً من التاريخ القديم للوجود اليهودي في همدان، ويحظيان بأهمية ثقافية ودينية خاصة.

«كماج» و«انغشت‌پیچ» والفخار: نكهات وألوان همدان

يمكن استشفاف ثقافة همدان من خلال مائدتها وأسواقها؛ إذ تُعد أطعمة مثل «كماج همداني»، و«انغشت‌پیچ»، و«حلوا زرده» من الأطباق التقليدية والهدايا التذكارية الشهيرة لهذه المدينة. وتساهم هذه المأكولات، إلى جانب الأطباق المحلية، في صنع ذكريات لا تُنسى لزوار المدينة. ومن بينها، يبرز «انغشت‌پیچ» كأحد الحلويات القديمة والفريدة بفضل قوامه وطريقة تحضيره المميزة، بينما يُعد «كماج» من المخبوزات والحلويات التقليدية المحببة في المنطقة.

أما في مجال الصناعات اليدوية، فإن اسم «لالجين» هو الأكثر ارتباطاً بهمدان؛ فصناعة الفخار في همدان ليست مجرد حرفة، بل هي جزء من الهوية الثقافية للمنطقة. وتعتبر الأواني والقطع الفخارية في «لالجين»، بزخارفها وأشكالها المتنوعة، من أشهر الهدايا التذكارية لمحافظة همدان. وتنتقل هذه الفنون من جيل إلى آخر، وتُعد ورش الفخار في «لالجين» اليوم جزءاً من الجذب الثقافي والسياحي للمحافظة، حيث يمكن للسائح، بالإضافة إلى استكشاف معالم همدان التاريخية، أن يحمل معه قطعة من الفن اليدوي لأهل هذه المنطقة إلى منزله.

 

رأيك
captcha