بزشكيان وكسر الجدار بين الحكومة والشعب؛ مساعٍ لإعادة بناء رأس المال الاجتماعي

|
۲۰۲۶/۰۸/۲۴
|
۰۸:۴۴:۰۲
| رمز الخبر: ۲۹۷۸
بزشکیان
بدأ مسعود بزشكيان عمل الحكومة الرابعة عشرة بالتأكيد على «الوفاق»؛ وهو نهج سعى إلى إخراج الحكومة من خلف الأبواب المغلقة وتقريبها من قلب المجتمع، بدءاً من الحضور المباشر لرئيس الجمهورية بين الناس والحوار مع مختلف شرائح المجتمع، وصولاً إلى فتح المجال أمام مشاركة مجموعات متنوعة في إدارة البلاد، لتصبح محاولة تقليص هذه الفجوة إحدى سمات الحكومة الرابعة عشرة.

وأفادت وكالة برنا للأنباء، أن الحكومة الرابعة عشرة سعت منذ الأيام الأولى لعملها إلى تقليص المسافة بين الحكومة والشعب من خلال مفهوم أطلق عليه «الوفاق الوطني»؛ وهو مفهوم لم يكن بالنسبة لمسعود بزشكيان مجرد شعار انتخابي، بل تحول تدريجياً إلى إحدى الكلمات المفتاحية الرئيسية في أسلوب إدارة الحكومة. وفي رؤية بزشكيان، لا يمكن حل مشكلات البلاد من دون مواكبة الشعب، ويجب أن تكون مشاركة المجتمع جزءاً من عملية الحوكمة.

وأكد في حواره الأخير مع الشعب هذا التوجه أيضاً، قائلاً: «إذا كنا مع الشعب، فلن تستطيع أي قوة أن تشلّنا». وهي عبارة تظهر أن رئيس الجمهورية لا ينظر إلى رأس المال الاجتماعي ومواكبة الشعب باعتبارهما مسألة هامشية، بل جزءاً من قدرة الدولة على إدارة البلاد.

لكن السؤال المهم هو: ماذا فعل بزشكيان لتقريب الحكومة من الشعب؟ وهل بقي الوفاق مجرد خطاب سياسي للحكومة، أم يمكن العثور على مؤشرات له في أسلوب الإدارة، واختيار المديرين، والزيارات إلى المحافظات، وطريقة حوار الحكومة مع المجتمع؟

الوفاق؛ من شعار انتخابي إلى نموذج لإدارة الحكومة

بدأ بزشكيان حكومته بوعد مختلف؛ فلم يكن من المفترض أن تكون الحكومة الرابعة عشرة حكومة تيار سياسي واحد فقط. وكانت فكرته الأساسية أنه في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المعقدة التي تمر بها البلاد، لا تستطيع أي مجموعة بمفردها حل جميع المشكلات.

ومن هنا أصبح الوفاق الوطني الركيزة الأساسية لخطاب الحكومة. ولا يعني الوفاق، وفق هذا التعريف، إلغاء الخلافات السياسية أو تجاهل اختلاف وجهات النظر، بل يعني إيجاد نقطة مشتركة لإدارة البلاد. ولذلك شدد بزشكيان مراراً على ضرورة الاستفادة من قدرات جميع القوى القادرة على المساعدة في حل مشكلات البلاد.

كما اعتبر مشاركة الشعب، إلى جانب تقديم الخدمات، إحدى ركائز حل مشكلات البلاد، وأشار إلى مشروع «المحورية المحلية» باعتباره مكملاً للطاقات الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني.

ويمثل هذا التوجه تغييراً مهماً في أدبيات الحوكمة؛ إذ تحاول الحكومة، بدلاً من اعتبار نفسها اللاعب الوحيد في حل المشكلات، إشراك المجتمع أيضاً في عملية حلها.

وبالطبع، فإن مدى نجاح هذا النهج عملياً مسألة يجب تقييمها على أرض الواقع، إلا أن الحكومة الرابعة عشرة حاولت، على الأقل على مستوى السياسات، تقليص المسافة بين الحكومة التي تتخذ القرار والشعب الذي يتلقى هذا القرار.

زيارات لم يكن الهدف منها مجرد افتتاح المشاريع

يمكن ملاحظة إحدى أولى علامات هذا النهج في زيارات بزشكيان إلى المحافظات. فالزيارات الرئاسية إلى المحافظات ليست ظاهرة جديدة، إذ سبق رؤساء الجمهورية بزشكيان في زيارة المحافظات وافتتاح المشاريع واللقاء بالناس. لذلك لا يمكن البحث عن اختلاف الحكومة الرابعة عشرة في أصل الزيارة، بل في الهدف المحدد لها.

وكانت أول زيارة لبزشكيان إلى محافظة سيستان وبلوشستان؛ وهي محافظة تمثل، سواء من حيث قضايا التنمية أو التنوع القومي والمذهبي، نموذجاً مناسباً لخطاب الوفاق. ومنذ البداية حاولت الحكومة وضع هذه الزيارة في إطار الحوار مع الناس والنخب ومختلف الفئات الاجتماعية.

وفي الزيارات اللاحقة، أصبحت اللقاءات مع الناشطين الاقتصاديين والنخب والمثقفين والناشطين السياسيين والاجتماعيين والثقافيين ومختلف فئات الشعب جزءاً من برامج الزيارات الحكومية إلى المحافظات. وفي زيارته إلى كرمانشاه، التقى بزشكيان، إلى جانب الاجتماعات التنفيذية، الناشطين الاقتصاديين ورواد الأعمال والنخب والمثقفين والناشطين السياسيين والاجتماعيين والثقافيين.

وفق هذا المنظور، لا تقتصر قضايا المحافظات على اجتماع في مبنى المحافظة أو مجلس التخطيط، إذ إن جزءاً من واقع المحافظة يتشكل من خلال الحوار مع الذين يعيشون ويعملون فيها. ولهذا السبب، يجري التأكيد في التقارير المتعلقة بزيارات الحكومة الرابعة عشرة إلى المحافظات على التواصل المباشر لرئيس الجمهورية مع الشعب والنخب باعتباره أحد أهداف هذه الزيارات.

الجدار ليس في طهران فقط

إحدى القضايا المهمة في العلاقة بين الحكومة والمجتمع هي التركّز الشديد لهيكل صنع القرار في العاصمة. فطهران هي مركز اتخاذ القرارات، لكن آثار كثير من تلك القرارات تظهر في المحافظات والمدن الأصغر. ولذلك، إذا أرادت الحكومة تقليص المسافة بينها وبين الشعب، فعليها نقل جزء من عملية اتخاذ القرار من المركز إلى الميدان.

وعندما يلتقي رئيس الجمهورية في إحدى المحافظات بالمزارعين ورواد الأعمال والطلاب والناشطين الاقتصاديين والمسؤولين المحليين والنخب والمواطنين العاديين، تتشكل أمام الحكومة صورة مختلفة لمشكلات البلاد، وهي صورة لا تظهر بالضرورة في التقارير الإدارية في طهران.

وهنا لا تعود الزيارة إلى المحافظات مجرد حدث سياسي، بل تتحول إلى عملية لجمع المعطيات الاجتماعية. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الزيارات لا تكمن في عدد القرارات المتخذة، بل في مدى تنفيذها والأثر الذي تتركه في حياة الناس.

حوار مباشر مع الشعب

ومن السمات اللافتة الأخرى للحكومة الرابعة عشرة محاولة تعزيز التواصل المباشر بين رئيس الجمهورية والمجتمع. فقد حاول بزشكيان في مناسبات مختلفة التحدث بلغة بسيطة ومباشرة عن قضايا البلاد، من الوضع الاقتصادي والطاقة إلى الحرب والعقوبات والسياسة الخارجية والقضايا الاجتماعية.

لكن هذا النوع من التواصل لا يعني في حد ذاته ارتفاع مستوى الثقة العامة؛ لأن الثقة هي نتيجة الأداء وليس الحوار وحده. ومع ذلك، يمكن للحوار أن يكون شرطاً مسبقاً لبناء الثقة، خصوصاً عندما يواجه المجتمع قرارات اقتصادية صعبة أو أزمات معقدة.

ولذلك، فإن الحكومة التي تتوقع من الشعب مواكبتها، يقع على عاتقها أيضاً توضيح أسباب قراراتها للناس.

الشعب؛ من متلقٍ لقرارات الحكومة إلى شريك في حل المشكلات؟

لعل أهم تحول في هذا النهج هو الانتقال من النظر إلى الشعب باعتباره متلقياً إلى اعتباره شريكاً. ففي كثير من الهياكل الإدارية، تتخذ الحكومة القرار، وتنفذه الأجهزة، ثم تُعلن النتيجة للناس. لكن قضايا مثل المياه والطاقة والتلوث والنقل واستهلاك الوقود والآفات الاجتماعية وحتى المشكلات الاقتصادية لا يمكن حلها من دون مشاركة المجتمع.

وإذا نُفّذ هذا التوجه بصورة صحيحة، فإنه يمكن أن يقرّب مفهوم الحوكمة من «إدارة الشعب» إلى «إدارة البلاد مع الشعب». وفي هذا النموذج، ليس من المفترض أن تصدر الحكومة تعليمات من الأعلى لكل مشكلة، بل عليها تحديد الطاقات الاجتماعية القائمة وتفعيلها.

كسر جدار انعدام الثقة في التعيينات

لكن تقليص المسافة بين الحكومة والمجتمع لا يقتصر على الزيارات والحوار. فالتعيينات تعد من أهم المجالات التي يمكن من خلالها تقييم توجه أي حكومة.

ومنذ بداية عمل الحكومة، أكد بزشكيان الاستفادة من الكفاءات بصرف النظر عن الانتماءات السياسية. كما كان حضور فئات لم تكن ممثلة بصورة كبيرة في المستويات العليا للإدارة الحكومية من النقاط اللافتة في الحكومة الرابعة عشرة.

وفي مجال المرأة، استعانت الحكومة الرابعة عشرة خلال العامين الأولين بعدد ملحوظ من النساء في المناصب الإدارية. ووفقاً لما أعلنته مساعدة رئيس الجمهورية، سجلت الحكومة الرابعة عشرة أعلى معدل لتعيين النساء في المناصب الإدارية بين حكومات ما بعد الثورة، كما تشارك أربع نساء في مجلس الوزراء بصفتهن وزيرات أو نائبات لرئيس الجمهورية، فضلاً عن اختيار المتحدثة باسم الحكومة من النساء.

وفي ما يتعلق بالأقليات الدينية وأهل السنة أيضاً، حاولت الحكومة زيادة حضور هذه الفئات في الهيكل الإداري، وكان تعيين عبد الكريم حسين زاده نائباً لرئيس الجمهورية لشؤون التنمية الريفية والمناطق المحرومة أحد أبرز نماذج هذا النهج.

مواجهة بزشكيان للأسئلة الصعبة

من السمات المختلفة لبزشكيان في بعض زياراته مواجهته المباشرة للاعتراضات والانتقادات ومطالب الناس.

وفي إحدى زياراته إلى المحافظات، تحول حواره مع أحد الحاضرين إلى نقاش حول الحرمان وتوقعات الناس، فتحدث بزشكيان عن الفجوة بين الموارد المتاحة والتوقعات التي تشكلت في المجتمع، وشدد على ضرورة الواقعية عند تقديم الوعود.

وقد لا تخلو مثل هذه المواجهات دائماً من الجدل، لكنها تكشف حقيقة مهمة: فالمسافة بين الحكومة والشعب لا تتقلص فقط عندما يصفق الناس لرئيس الجمهورية، بل قد تتقلص أيضاً عندما يستطيع الرئيس الرد بصورة مباشرة على مطالبة أو اعتراض. فالحوكمة في الظروف الواقعية تعني مواجهة هذه الأسئلة الصعبة.

ومع ذلك، يبقى سؤال أساسي: هل يعني المزيد من التواصل مع الناس زيادة الثقة؟ الإجابة ليست بسيطة.

فالثقة العامة لا تُبنى بالخطب أو الزيارات أو الاجتماعات. يشعر الناس بأن الحكومة أصبحت أقرب إليهم عندما يرون نتائج قراراتها في حياتهم اليومية؛ عندما يكتمل مشروع متعثر، وتتحسن الخدمات العامة، ويصبح القرار الاقتصادي مفهوماً بالنسبة إليهم، ويشعرون بأن أصواتهم مسموعة.

لذلك، فإن كسر الجدار بين الحكومة والشعب هو عملية مستمرة أكثر منه مشروعاً إعلامياً، وقد حاول بزشكيان دفع هذه العملية إلى الأمام عبر ثلاث أدوات: الحوار والمشاركة والوفاق.

الحوار من أجل الاستماع إلى المجتمع، والمشاركة لإشراك الناس في عملية حل المشكلات، والوفاق لإيجاد إمكانية التعاون بين مجموعات قد تختلف في ما بينها بشأن العديد من القضايا.

الوفاق؛ وصفة لعبور الأيام الصعبة

تتضح أهمية هذا النهج بصورة أكبر عندما تدخل البلاد في أزمة. ففي الظروف العادية قد تتمكن الحكومة من إدارة القضايا بالاعتماد على الجهاز الإداري، لكن في أزمات مثل الحرب والعقوبات واختلالات الطاقة أو الصدمات الاقتصادية، لا تستطيع أي حكومة إدارة البلاد من دون مواكبة الشعب.

ومن هذا المنظور، لا يمثل الوفاق مجرد مشروع سياسي، بل أداة للصمود الوطني؛ وكلما تقلصت المسافة بين الحكومة والشعب، ازدادت قدرة البلاد على عبور الأزمات.

وفي نهاية المطاف، لا ينبغي تقييم حصيلة الحكومة الرابعة عشرة في هذا المجال فقط بعدد الزيارات والاجتماعات والتعيينات، بل وفق معيار أبسط: هل يشعر الناس بأن الحكومة تراهم، وتسمع أصواتهم، وتقف إلى جانبهم في حل مشكلاتهم؟

الإجابة النهائية عن هذا السؤال لن تقدمها الحكومة، بل الشعب نفسه؛ ذلك الشعب الذي ربط بزشكيان، منذ اليوم الأول، بقاء الحكومة ونجاح البلاد بمواكبته ودعمه.

رأيك
captcha