الرياضة الإيرانية في ميدان جديد للدبلوماسية الثقافية
وأفادت وكالة برنا للأنباء، أن إيران سبق أن شاركت في دورات مختلفة من الألعاب العالمية للبدو الرحّل؛ لذلك لا يمكن وصف ما حدث أخيراً في قرغيزستان بأنه «المشاركة الأولى لإيران». ويتمثل الاختلاف الرئيسي في هذه الدورة في هيكل المشاركة وحجمها؛ إذ شاركت إيران للمرة الأولى ببعثة متكاملة تضم 130 شخصاً، بينهم أكثر من مئة رياضي ومدرب، في 23 رياضة، وبمشاركة ثمانية اتحادات وجمعيتين رياضيتين.
وهذا التغيير في حجم المشاركة نقل الألعاب العالمية للبدو الرحّل من مجرد حضور متفرق ضمن روزنامة بعض الرياضات إلى موضوع يستحق الدراسة على مستوى السياسة الرياضية للبلاد.
ويبدو هذا التغيير في ظاهره قراراً تنفيذياً لتوسيع حجم المشاركة، لكنه يحمل على مستوى السياسات الرياضية معنى أوسع. فالألعاب العالمية للبدو الرحّل تقوم على رياضات تشكل جزءاً مهماً من هوية المجتمعات وذاكرتها الثقافية، ولهذا تتضاءل فيها الحدود بين الرياضة والتراث الثقافي والعلاقات الدولية. كما أُقيمت النسخة السادسة بمشاركة أكثر من 90 دولة ومجموعة من الرياضات التقليدية والمحلية.
ومن هذا المنظور، يمكن الدفاع عن قرار وزارة الرياضة والشباب بتشكيل بعثة متكاملة، إذ تابعت الوزارة منذ أشهر ملف مشاركة إيران بصورة مركزية.
وتكمن أهمية هذا القرار تحديداً في تغيير حجم المشاركة. فعندما تعرّف وزارة الرياضة حدثاً ما على مستوى بعثة وطنية، لا يعود الأمر مجرد إرسال عدد من الرياضيين؛ بل تدخل في العملية مجموعة من الاتحادات والجمعيات والمدربين، ونظام اختيار الرياضيين، والملابس، وهوية البعثة، والإدارة الإعلامية، وحتى كيفية التفاعل مع الدول الأخرى. ولهذا يمكن النظر إلى تجربة هذه الدورة أيضاً من زاوية الإدارة الرياضية.
وقد ركز وزير الرياضة خلال مراسم توديع البعثة على هذا الجانب من الموضوع. فتحدث عن ضرورة التنسيق بين مختلف مكونات الرياضة في البلاد، وإلى جانب النتائج الفنية، شدد على الانضباط واحترام المنافس والأخلاق الرياضية وقيم الفتوة. كما أشار إلى توسيع نطاق اكتشاف المواهب في المناطق الريفية والعشائرية بوصفه إحدى وظائف هذه المشاركة.
وهذه نقطة مهمة؛ لأنه إذا لم تحظَ الرياضات المحلية والتقليدية بالاهتمام إلا عند المشاركة في المنافسات الدولية، فسيتم تجاهل الجزء الأساسي من قدراتها. وتظهر القيمة الحقيقية لهذه الرياضات على مستوى السياسات عندما تنتقل من نطاق المنافسة إلى مستوى تطوير الرياضة داخل البلاد.
ويمكن رؤية إحدى علامات هذا النهج في تصميم الهوية البصرية للبعثة. فقد أظهر استخدام ملابس مستوحاة من مختلف القوميات الإيرانية خلال استعراض حفل الافتتاح أن فكرة تقديم إيران من خلال تنوعها الثقافي لم تبقَ مجرد مشروع على الورق. واستعرضت البعثة الإيرانية أمام الجمهور في الملعب بملابس مستوحاة من العناصر الثقافية لمختلف قوميات البلاد.
ولهذا الاختيار أهمية في حدث من هذا النوع. ففي مهرجان دولي يقوم أساساً على الهويات القومية والثقافية، كان بإمكان إيران تقديم صورة موحدة ونمطية عن نفسها، لكن استخدام عناصر من ملابس القوميات المختلفة أتاح فرصة أخرى للتعريف بالبلاد من خلال تنوعها الداخلي.
وكانت ردود الفعل خلال حفل الافتتاح لافتة أيضاً. فقد تحدثت التقارير الميدانية عن استقبال وتشجيع ملحوظين من جانب الجمهور لدى دخول البعثة الإيرانية، وذلك في الملعب الكبير في بيشكيك وبحضور وفود دولية مختلفة.
ولا ينبغي المبالغة في تفسير هذا المشهد، لكن لا يمكن أيضاً المرور عليه دون اهتمام. ففي مثل هذه الأحداث، يشكل التواصل بين الشعوب والوفود الرياضية للدول جزءاً من الدبلوماسية الثقافية غير الرسمية التي لا تظهر عادة في الإحصاءات الرسمية.
وتزداد أهمية هذا الموضوع بالنظر إلى توقيت حفل الافتتاح، إذ أُقيم حفل افتتاح النسخة السادسة من الألعاب العالمية للبدو الرحّل في بيشكيك بالتزامن مع حضور قادة وكبار مسؤولي دول مختلفة للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون.
وكان الرئيس مسعود بزشكيان، الذي سافر إلى قرغيزستان للمشاركة في قمة شنغهاي، قد حضر حفل الافتتاح بدعوة من رئيس هذا البلد. كما شارك في المراسم مسؤولون من روسيا والهند وتركيا ودول أخرى حاضرة في القمة، فيما توجه الدكتور دنيامالي أيضاً إلى بيشكيك لمرافقة رئيس الجمهورية في حفل الافتتاح.
وفي مثل هذه الظروف، وقفت الرياضة إلى جانب الدبلوماسية الرسمية؛ لا باعتبارها بديلاً عن السياسة الخارجية، وإنما مكملاً لها. ففي الوقت الذي كان فيه رئيس الجمهورية يتفاوض في قمة القادة بشأن القضايا السياسية والاقتصادية والتعاون الإقليمي، كانت البعثة الرياضية الإيرانية حاضرة في المدينة نفسها ضمن حدث ثقافي ورياضي دولي.
ويمكن لهذين المستويين من الحضور، إذا جرت متابعتهما بصورة منسقة ومستمرة، أن يعزز كل منهما الآخر.
وتكتسب هذه الإمكانية أهمية أكبر بالنسبة إلى إيران، لأن البلاد، من حيث تنوع الرياضات التقليدية والطقوس المرتبطة بالفتوة، لا تقل عن كثير من الدول المشاركة في هذه الألعاب. ويرتبط جزء كبير من الرياضات التقليدية الإيرانية بالحياة الاجتماعية والثقافة المحلية وتاريخ القوميات.
وفي هذه النقطة تحديداً برز غياب الرياضة الزورخانية.
فخلال مراحل إعداد البعثة، كانت الرياضة الزورخانية ضمن الرياضات التي خضعت للدراسة والتخطيط من جانب إيران، لكنها لم تحصل على مكان مستقل ضمن البرنامج النهائي لمنافسات هذه الدورة. وهذه مسألة مهمة ينبغي بالتأكيد أخذها في الاعتبار عند وضع السياسات للدورات المقبلة.
وتجمع الزورخانة بالنسبة إلى إيران منظومة مترابطة من المفاهيم الأخلاقية والطقوسية والرياضية، وهي من التقاليد الرياضية الإيرانية القليلة التي يمكن تقديمها في إطار لغة مفهومة دولياً. وحتى خلال هذه الدورة من «نوماد غيمز»، التقى ممثلو الاتحاد الدولي للرياضات الزورخانية والمصارعة البهلوانية في بيشكيك بمسؤولي المصارعات التقليدية في الاتحاد العالمي للمصارعة، وبحثوا قدرات هذه الرياضات والاختلافات بينها. وهذا يعني أن أرضية الحوار موجودة.
ومن ثم، يمكن أن تكون إحدى النتائج الطبيعية لمشاركة هذا العام أن تتفاوض إيران في الدورات المقبلة، وفق برنامج أكثر تحديداً، لإدخال الرياضة الزورخانية والمصارعة البهلوانية في هيكل الألعاب العالمية للبدو الرحّل. ومن شأن هذه الخطوة أن تخدم المكانة الدولية لهذه الرياضات، وأن تعزز في الوقت نفسه موقع إيران في الشبكة العالمية للرياضات التقليدية.
وإلى جانب الدبلوماسية الثقافية، تكتسب مسألة تطوير الرياضة داخل البلاد أهمية أيضاً. فكثير من الرياضات التي تظهر في «نوماد غيمز» لا تحتاج في بدايتها إلى بنى تحتية معقدة ومكلفة. ويمكن تطوير شد الحبل والمصارعات التقليدية وبعض الألعاب المحلية ورياضات القوة في المدارس والقرى والمناطق العشائرية والمجمعات المحلية.
وهنا يمكن لسياسة الرياضة الجماهيرية أن تتصل برياضة البطولة.
فإذا أتيحت للأطفال والناشئين في بيئتهم المحلية فرصة التعرف إلى رياضة محلية وممارستها بصورة منتظمة، تبدأ عملية اكتشاف المواهب من هناك. وبعد ذلك، من خلال تدريب المدربين وتنظيم المنافسات الإقليمية وإقامة نظام للاختيار، يمكن لبعض هذه المواهب الوصول إلى المستويين الوطني والدولي. وكان دنيامالي قد شدد أيضاً خلال مراسم توديع البعثة على ضرورة توسيع دائرة اكتشاف المواهب في المناطق الريفية والعشائرية.
ومن هذا المنظور، يمكن أن تتحول «نوماد غيمز» إلى ميدان اختبار جدي للرياضة الإيرانية؛ ميدان تتضح فيه القدرات التنافسية لهذه الرياضات، وكذلك إمكاناتها لتطوير رياضة القاعدة والرياضة الجماهيرية.
وتؤكد النتائج الفنية لهذه الدورة حتى الآن هذه النقطة أيضاً. فقد حققت إيران ميداليات في رياضات مثل الكوراش وشد العصا، فيما أحرز رضا قيطاسي، حامل علم البعثة، أول ذهبية لإيران في شد العصا. وبالطبع لا ينبغي مقارنة هذه النتائج بالنجاح في الألعاب الآسيوية أو الأولمبية، لكنها توفر معلومات قيّمة لتحديد الرياضات التي تمتلك فيها إيران قدرات تنافسية.
وإذا بقيت تجربة هذه الدورة محصورة في تقرير أداء البعثة وجدول الميداليات، فسيضيع جزء مهم من إمكاناتها. وينبغي تحديد الرياضات الجديرة بالاستثمار، والمناطق التي تمتلك القدرة على إعداد الرياضيين فيها، والاتحادات القادرة على تحمل مسؤولية تطويرها، وكذلك البرنامج المخصص لاستمرار نشاط الرياضيين بعد عودتهم من المنافسات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أيضاً بالنسبة إلى رياضة النساء. فأي سياسة تهدف إلى نقل الرياضات المحلية والتقليدية من هامش الرياضة الإيرانية إلى متنها، يجب أن تحدد منذ البداية مساراً واضحاً لمشاركة النساء وتطوير رياضتهن، وإلا فسيظل جزء كبير من الإمكانات الاجتماعية لهذا المجال دون استخدام.
ومن جهة أخرى، لا ينبغي تجاهل الظروف التي أُرسلت فيها هذه البعثة. فقد تأثرت الرياضة الإيرانية خلال الأشهر الماضية بالظروف الحربية والقيود الناجمة عنها، ولم يكن الحفاظ على العلاقات الرياضية الدولية في مثل هذه الظروف أمراً سهلاً. وفي هذا الوضع، فإن استمرار مشاركة إيران في حدث دولي والحفاظ على التواصل مع الهياكل العالمية للرياضات التقليدية أمر يستحق الاهتمام من منظور الإدارة الرياضية والعلاقات الدولية.
كما تندرج مشاركة دنيامالي في القمة العالمية للرياضات الإثنية في أنطاليا ضمن هذا الإطار. فقد عُقدت القمة الثامنة للاتحاد العالمي للرياضات الإثنية في أنطاليا بمشاركة أكثر من 100 شخصية رفيعة المستوى، بينهم أكثر من 15 وزيراً للرياضة، وتمحورت حول تطوير الرياضات التقليدية وإحيائها.
ويُظهر استمرار حضور وزير الرياضة في هذا الهيكل الدولي، ثم مشاركته في بيشكيك إلى جانب رئيس الجمهورية والبعثة الإيرانية، أن ملف الرياضات التقليدية على مستوى الوزارة لم يكن مجرد برنامج مرحلي لمسابقة واحدة.
لكن هذا المسار يحتاج إلى الاستمرار والاستكمال. فإذا كانت إيران تريد التعامل بجدية أكبر مع الدبلوماسية الثقافية الرياضية، فعليها ربط المشاركة في مثل هذه المحافل ببناء شبكات مهنية، وإبرام مذكرات تفاهم محددة، واستضافة الفعاليات، وتدريب الحكام والمدربين، وتوحيد معايير الرياضات، وفي النهاية إدراج الرياضات الإيرانية ضمن الهياكل الدولية الرسمية.
وتكتسب «نوماد غيمز» أهميتها بالنسبة إلى إيران من كونها تعرض جانباً من القدرات الرياضية للبلاد في ميدان لغته الأساسية هي لغة الثقافة والتقاليد. كما أتاحت مشاركة بعثة من 130 شخصاً هذا العام فرصة مناسبة لإخراج هذه القدرات من حالتها المتفرقة وتقييمها ضمن إطار متكامل.
وينبغي أيضاً تقييم أداء وزارة الرياضة في هذا الملف على هذا المستوى؛ لا بخطاب دعائي، ولا استناداً إلى عدد الميداليات فقط. فقد شكل قرار تشكيل البعثة، ومتابعة المشاركة في عدة رياضات، وإيجاد هيكل إداري للإيفاد، والحضور المباشر إلى جانب رئيس الجمهورية في حفل الافتتاح، مجموعة من القرارات التي يمكن الدفاع عنها.
وفي المقابل، سيكون الاختبار الحقيقي للوزارة بعد انتهاء المنافسات: هل ستتحول هذه التجربة إلى سياسة مستدامة للرياضات المحلية والتقليدية أم لا؟
وإذا حدث ذلك، فلن تبقى النسخة السادسة من الألعاب العالمية للبدو الرحّل بالنسبة إلى الرياضة الإيرانية مجرد مشاركة ناجحة في حدث دولي، بل يمكن أن تصبح أساساً لإعادة تعريف مكانة الرياضات التقليدية، وتطوير المواهب في المناطق الريفية والعشائرية، والاستفادة بصورة أكثر احترافية من الرياضة بوصفها إحدى أدوات الدبلوماسية الثقافية للبلاد.
وهذه هي النقطة التي ينبغي البحث فيها عن قيمة هذه المشاركة: في المسافة الفاصلة بين مجرد إيفاد بعثة وبين السياسة التي تُبنى بعد ذلك.