محارق النفايات في طهران: حل استراتيجي بين البيئة وأمن الطاقة
تشهد طهران، كبرى المدن الإيرانية، تحدياً متزايداً في إدارة النفايات. ما كان يُعتبر لسنوات مشكلة بلدية محصورة، بات اليوم قضية استراتيجية ذات أبعاد متعددة: من حماية البيئة والصحة العامة، إلى ضبط التكاليف الاقتصادية، وصولاً إلى مواجهة أزمة الطاقة الكهربائية في البلاد. هذا الترابط بين الملفات يجعل من موضوع النفايات أكثر من مجرد مسألة نظافة أو خدمات، بل خياراً سياسياً–اقتصادياً يحدد شكل مستقبل المدينة. والسؤال المحوري: هل نستمر في دفن ملايين الأطنان سنوياً بكل ما يحمله من مخاطر، أم نحول هذه الكتلة الضخمة إلى مصدر للطاقة النظيفة التي يحتاجها البلد؟
الأبعاد البيئية للنفايات
تنتج طهران أكثر من ٦ آلاف طن من النفايات يومياً، أي ما يعادل نحو مليوني طن سنوياً. الغالبية العظمى تُدفن في مراكز مثل كهريزك، التي لم يتبق من قدرتها الاستيعابية سوى أقل من خمسة بالمئة. دفن النفايات لا يعني مجرد تراكم القمامة فوق بعضها البعض، بل يفضي إلى سلسلة من المخاطر البيئية. الغازات المنبعثة من مواقع الطمر، وعلى رأسها الميثان وثاني أوكسيد الكربون، تُعدّ من أقوى مسببات الاحتباس الحراري. وتشير تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن الميثان يتمتع بقدرة تسخين تعادل ٢٥ ضعف ثاني أوكسيد الكربون. التقديرات الخاصة بموقع كهريزك وحده تُظهر أنه يطلق أكثر من ٣٥٠ ألف طن مكافئ CO₂ سنوياً. يضاف إلى ذلك العصارة المتسربة من النفايات، المحمّلة بالمعادن الثقيلة والمواد الكيميائية السامة، والتي تتسرب إلى المياه الجوفية والسطحية وتلوّث التربة والموارد الزراعية. النتيجة المباشرة لهذا التلوث تتمثل في تزايد الأمراض التنفسية والجلدية وحتى السرطانية، ما يرفع أعباء النظام الصحي. من هنا يصبح الطمر التقليدي ليس حلاً، بل مولداً دائماً للأزمات البيئية والصحية التي تمتد آثارها لأجيال قادمة.
الكلفة الاقتصادية للطمر
إدارة النفايات في طهران ليست مجرد تحدٍّ بيئي، بل تحمل أبعاداً اقتصادية ثقيلة. الكلفة المباشرة لجمع ونقل وطمر كل طن من النفايات تتراوح بين ١,٥ و٢ مليون تومان، أي ما يزيد على ٣ آلاف مليار تومان سنوياً تنفق على حل غير مستدام. غير أن هذه الأرقام لا تعكس إلا جزءاً من الحقيقة. فالتكاليف غير المباشرة أكبر بكثير: تلوث المياه والتربة يؤدي إلى تراجع إنتاجية الأراضي الزراعية، الانبعاثات والملوثات تزيد من معدلات الإصابة بالأمراض وبالتالي تكاليف العلاج، والأراضي المحيطة بمكبات النفايات تصبح غير قابلة للاستخدام. لو جرى احتساب هذه الأكلاف الخفية، لوجدنا أن الرقم الحقيقي يتضاعف مرات عدة. في المقابل، فإن خيار تحويل النفايات إلى طاقة يتيح منع هذه الخسائر وفتح باب إيرادات جديدة عبر بيع الكهرباء وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري. وبذلك يتحول "العبء المالي" إلى "استثمار طويل الأمد" ينعكس إيجاباً على البلدية والاقتصاد الوطني معاً.
أزمة الطاقة وفرصة محارق النفايات
لم تعد أزمة الطاقة في إيران ظرفية، بل تحولت إلى مسألة استراتيجية. في صيف ٢٠٢٣ بلغ استهلاك الكهرباء أكثر من ٧٢ ألف ميغاواط، بينما لم تتجاوز القدرة الفعلية للمحطات ٦٥ ألف ميغاواط. هذا العجز أفضى إلى انقطاعات واسعة، وأظهر بوضوح أن الفجوة الطاقوية آخذة في الاتساع. تضاف إلى ذلك مشكلة الاعتماد شبه الكامل على محطات حرارية تعمل بالغاز الطبيعي والديزل. ففي الشتاء، مع ارتفاع استهلاك الغاز المنزلي، تضطر هذه المحطات إلى تشغيل المازوت أو تقليص الإنتاج، ما يفاقم الأزمات البيئية والاقتصادية. في هذا السياق، يبرز خيار محارق النفايات كحل استراتيجي مزدوج: التخلص من النفايات وفي الوقت نفسه إنتاج كهرباء نظيفة. فمحطة بقدرة معالجة ٦ آلاف طن يومياً قادرة على توليد أكثر من ٨٥٠ مليون كيلوواط/ساعة سنوياً من الطاقة المتجددة؛ أي ما يكفي لتغطية استهلاك نحو ٣٠٠ ألف أسرة في طهران. هذه الطاقة لا تعتمد على الوقود الأحفوري، وتُنتَج على مدار العام، ما يجعلها مورداً ثابتاً يعزز أمن الطاقة الوطني ويخفف الضغط عن الشبكة في أوقات الذروة.
التجارب العالمية
الدول المتقدمة قطعت شوطاً بعيداً عن الطمر التقليدي، وجعلت من حرق النفايات جزءاً من استراتيجيات الاستدامة. في اليابان، يتم تحويل أكثر من ٧٠٪ من النفايات البلدية إلى طاقة، فيما لا يتجاوز الطمر ٥٪. ألمانيا بدورها تجمع بين سياسات الفرز وإعادة التدوير واستخدام المحارق التي تستوعب أكثر من ٢٠ مليون طن سنوياً. أما الدنمارك فقد حولت محطة "أماغر باك" في كوبنهاغن إلى رمز حضري؛ فهي تنتج الكهرباء والحرارة وفي الوقت نفسه تحتضن على سطحها منحدراً للتزلج يجذب الزوار. هذه النماذج تبين أن محارق النفايات ليست خياراً طارئاً، بل ركيزة من ركائز الإدارة الحضرية الحديثة التي تحقق أهدافاً بيئية واقتصادية واجتماعية في آن واحد. بالنسبة لطهران، التي تواجه أزمة طمر ونقصاً في الطاقة، تمثل هذه التجارب دليلاً عملياً على أن التأخير في اعتماد هذه التكنولوجيا ليس إلا تفويتاً لفرصة استراتيجية.
بين الأزمة والفرصة
تجد طهران والمدن الكبرى في إيران نفسها اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. الاستمرار في الطمر التقليدي يعني مزيداً من الانبعاثات الغازية، تلوثاً متفاقماً للمياه والتربة، وأعباء مالية وصحية متزايدة. في المقابل، يمثل خيار محارق النفايات تحولاً نوعياً: تقليص التكلفة المباشرة وغير المباشرة للطمر، الحد من الغازات المسببة للاحتباس الحراري، إنتاج كهرباء نظيفة ومستقرة، وتعزيز أمن الطاقة الوطني. إنه خيار يتجاوز التقنية ليصبح قراراً استراتيجياً بين مسارين: أزمة متفاقمة أو فرصة وطنية. وكل يوم تأخير في اتخاذه يعني تضاعف الخسائر، فيما كل خطوة باتجاه اعتماد المحارق تمثل استثماراً في مستقبل أكثر خضرة واستدامة لطهران وإيران ككل.