هل تنجح الدوحة في منع عودة الحرب؟

|
۲۰۲۶/۱۱/۰۱
|
۱۱:۱۲:۰۲
| رمز الخبر: ۳۴۶۹
دوحه
في وقت تحولت فيه الدوحة إلى مركز للجهود الدبلوماسية الرامية إلى منع تجدد الحرب بين إيران والولايات المتحدة، تشير دراسة الرسالة التي بعث بها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى طهران، والمشاورات المكثفة التي يجريها الوسطاء القطريون والباكستانيون، وتزايد التكهنات بشأن استئناف المفاوضات، إلى محاولات لفتح نافذة جديدة أمام التوصل إلى اتفاق.

وأفادت وكالة برنا للأنباء بأنه في الوقت الذي أصبحت فيه الدوحة محوراً لأحدث المساعي الدبلوماسية لاحتواء التوتر بين طهران وواشنطن، ويكثف الوسطاء القطريون جهودهم لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة، لا تزال مؤشرات احتمال عودة الحرب تخيم على المنطقة.

فمن جهة، توحي الرسائل والتحركات الدبلوماسية بإمكانية ظهور فرصة للتوصل إلى اتفاق، ومن جهة أخرى، تؤكد تصريحات المسؤولين الإيرانيين بشأن الاستعداد لجميع السيناريوهات، إلى جانب مخاوف دول الخليج من تداعيات اندلاع مواجهة جديدة، أن الدبلوماسية والمواجهة لا تزالان مسارين متوازيين في التطورات المقبلة.

دراسة رسالة فانس

بالتزامن مع الجهود الدبلوماسية الرامية إلى منع عودة المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، أعلن وزير الخارجية الإيراني، السيد عباس عراقجي، أن الرسالة التي بعث بها نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، تخضع للدراسة على أعلى المستويات في البلاد، مؤكداً أن طهران مستعدة لجميع السيناريوهات.

ومع تكثيف مشاورات الوسطاء القطريين في طهران واستمرار المحادثات في الدوحة، تصاعدت التكهنات بشأن احتمال استئناف المفاوضات بين البلدين، رغم عدم التوصل حتى الآن إلى اتفاق بشأن عقد محادثات مباشرة.

وفي المقابل، شدد كبار المسؤولين العسكريين الإيرانيين، بالتزامن مع هذه التحركات الدبلوماسية، على جاهزية القوات المسلحة للرد الفوري على أي تهديد، دون التقيد بحدود جغرافية.

وفي هذا السياق، أعرب الجنرال أحمد شريف تشودري، المتحدث باسم الجيش الباكستاني، عن «تفاؤل حذر» إزاء جهود الوساطة التي تبذلها إسلام آباد مؤخراً بين طهران وواشنطن.

حراك دبلوماسي مكثف في الدوحة

تكثفت خلال الأيام الأخيرة الجهود القطرية لتهيئة الظروف المناسبة لاستئناف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.

وبحسب تقرير نشره باراك رافيد، مراسل موقع «أكسيوس»، أجرى الوسطاء القطريون يوم الجمعة محادثات استمرت أكثر من 12 ساعة مع مسؤولين إيرانيين في طهران، بهدف التوصل إلى تفاهم يسمح باستئناف المفاوضات ويحول دون اندلاع الحرب مجدداً.

ووفقاً لمصادر دبلوماسية، ظل الوسطاء على اتصال بالبيت الأبيض طوال فترة هذه المشاورات.

واستؤنفت المحادثات يوم السبت في الدوحة، حيث أكد عراقجي وجود وفد إيراني في قطر، موضحاً أن أحد نواب وزير الخارجية يشارك في المشاورات الجارية هناك.

وأعرب وزير الخارجية الإيراني عن تقديره لجهود قطر وباكستان، مشيراً إلى أن الوسطاء يواصلون مناقشة الشروط التي وضعتها طهران.

ماذا يجري في الدوحة؟

مع ذلك، ظهرت روايات متباينة بشأن مستوى المحادثات الجارية في الدوحة وطبيعتها.

فبينما أكدت وكالة «تسنيم» عدم وجود أي برنامج للتفاوض مع الولايات المتحدة في قطر، وأن حضور الوفد الإيراني يقتصر على متابعة المشاورات مع الوسيط القطري، نقلت صحيفة «العربي الجديد» عن مصدر إيراني أن المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن مستمرة عبر الوسطاء.

كما نقلت الصحيفة عن مصادر قريبة من جهود الوساطة القطرية والباكستانية أن هناك احتمالاً لانضمام وفد أمريكي إلى المحادثات في مرحلة لاحقة، شريطة التوصل إلى تفاهم بشأن الخطوات الأولية المتعلقة بالملف النووي، والملاحة في مضيق هرمز، والحوافز المالية المقدمة لإيران.

وفي هذا السياق، طُرحت الصين وروسيا أيضاً باعتبارهما ضامنتين محتملتين لأي اتفاق.

غير أن موقع «أكسيوس» أفاد بأنه لم يتم التوصل بعد إلى اتفاق بشأن استئناف المفاوضات المباشرة، كما لم يُحدد موعد لزيارة وفد أمريكي إلى الدوحة.

شروط طهران

في ظل هذه الأجواء، تكتسب تصريحات عراقجي بشأن الرسالة التي بعث بها جيه دي فانس أهمية خاصة.

وأكد وزير الخارجية الإيراني، في مقابلة مع قناة الجزيرة، أن طهران درست رسالة نائب الرئيس الأمريكي بعناية، وأن مضمونها نوقش في اجتماعات على أعلى المستويات.

واعتبر عراقجي مساعي واشنطن لفتح مسار أوسع للحوار والتفاهم خطوة إيجابية، لكنه حذر من أنه إذا كان الهدف الأمريكي من إرسال الرسالة هو إثارة الخلافات والانقسامات داخل إيران، فإن واشنطن تكون قد ارتكبت خطأً جديداً.

كما نفى وجود أي ترتيبات لعقد لقاء مباشر مع مسؤولين أمريكيين، موضحاً أن طهران لا ترى في الظروف الراهنة ضرورة للاجتماع مع واشنطن.

وأشار إلى أن شروط إيران واضحة، وأن اتخاذ القرار بشأن إجراء المفاوضات بصورة مباشرة أو غير مباشرة سيأتي بعد موافقة الولايات المتحدة على تلك الشروط.

وتشمل المطالب الإيرانية رفع العقوبات المفروضة بعد تفاهم إسلام آباد، وإعادة العمل بالإعفاءات النفطية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، بما فيها الأموال الموجودة في قطر، وتقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

كما تؤكد إيران ضرورة إنهاء الحرب بجميع جوانبها، بما في ذلك في لبنان.

وفيما يتعلق بمضيق هرمز، أعلن عراقجي أن المقترح الإيراني لإعادة فتح هذا الممر المائي هو الخطة الوحيدة المطروحة حالياً.

وبموجب هذا المقترح، يُعترف بمسار ملاحي جديد بالتعاون مع سلطنة عُمان، فيما تُغلق المسارات الأخرى.

أما في الملف النووي، فأوضح وزير الخارجية الإيراني أن الوسطاء قدموا مقترحات تدرسها طهران في إطار المرحلة الثانية من المفاوضات.

الجاهزية العسكرية بالتوازي مع المسار الدبلوماسي

بالتزامن مع التحركات الدبلوماسية، أكد كبار المسؤولين العسكريين الإيرانيين استعدادهم للتعامل مع أي تحرك محتمل.

فقد اعتبر آية الله السيد مجتبى خامنئي، القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية، خلال لقائه كبار القادة العسكريين، أن الجاهزية القتالية الذكية تمثل أحد متطلبات تحقيق الردع الأقصى.

وشدد على ضرورة مواجهة أي تهديد، مهما كان مستواه أو طبيعته، برد فوري ومؤثر دون قيود جغرافية.

كما أكد أهمية تحديث بنك الأهداف، بما يضع مختلف الأصول المادية وغير المادية للعدو في مرمى القوات المسلحة.

وفي السياق ذاته، أعلن اللواء علي عبد اللهي، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، أن القوات الإيرانية تراقب تحركات العدو واستعداداته باستخدام جميع قدراتها الاستخباراتية، وتواصل تحديث بنك أهدافها.

وشدد على أنه في حال رصد مؤشرات مؤكدة على عمل عدائي، فإن إيران لن تنتظر بدء هجوم الطرف الآخر لاختيار توقيت الرد وطريقته.

من جانبه، أكد عراقجي في مقابلته مع الجزيرة أن القوات المسلحة الإيرانية بلغت أعلى مستويات الجاهزية، بعد تحديث الأسلحة ومعالجة نقاط الضعف العسكرية واختبار معدات جديدة.

وأضاف أن طهران لا تستبعد أي احتمال يتعلق بتجدد الحرب.

خلافات داخل واشنطن

في المقابل، كشف تقرير لموقع «أكسيوس» عن وجود تباينات في وجهات النظر داخل الدائرة المقربة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن كيفية التعامل مع إيران.

ووفقاً للتقرير، يشكك وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث ووزير الخارجية ماركو روبيو في إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، ويدعمان شن مزيد من الهجمات.

في المقابل، يدعو وزير الخزانة سكوت بيسنت إلى منح المفاوضات مزيداً من الوقت، وتجنب العودة المتسرعة إلى العمليات العسكرية.

كما نقل الموقع عن مسؤول أمريكي زعمه أن تعرض الجمهوريين لهزيمة كبيرة في انتخابات التجديد النصفي قد يدفع ترامب إلى إبداء رغبة أكبر في إطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق.

مخاوف إقليمية متزايدة

وفي تطور آخر، حذر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من اندلاع جولة جديدة من التصعيد، مؤكداً أن أي مواجهة جديدة قد تكون أكثر تدميراً، وتحمل تداعيات أوسع على المنطقة.

وتبدو مخاوف دول المنطقة، ولا سيما الدول المطلة على الخليج، أكثر وضوحاً خلال هذه الأيام.

وفي هذا السياق، أشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى تصاعد قلق دول الخليج من احتمال عودة الحرب، موضحة أن استضافة هذه الدول قواعد عسكرية أمريكية، واحتمال تعرضها لهجمات إيرانية انتقامية، دفعاها إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية لمنع تفاقم التوترات.

وتضع الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالبنية التحتية، وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، ونقاط الضعف في أنظمة الدفاع الجوي، دول المنطقة أمام وضع معقد، إذ لا تستطيع ضمان أمنها الكامل، ولا السيطرة على جميع تداعيات حرب جديدة.

وفي هذا الإطار، شددت سلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة على ضرورة التوصل إلى حل سياسي وإيجاد آلية أمنية إقليمية.

من جهة أخرى، حذرت مجلة «فورين بوليسي» من أن استمرار صادرات النفط لا يعني أن البنية التحتية للطاقة في الخليج مستعدة لتحمل حرب أخرى.

فقد تسببت الهجمات التي وقعت خلال الأشهر الماضية في أضرار طويلة الأمد للمصافي ومنشآت الغاز، بما فيها مجمع رأس لفان في قطر، وقد تستغرق إعادة إعمار بعض هذه المنشآت سنوات.

ووفقاً لهذا التحليل، فإن تجدد الحرب قد يقوض أمن الطاقة العالمي ويضعف حصة دول المنطقة في سوق النفط.

وترى المجلة أن التوصل إلى اتفاق يقوم على فرض قيود قابلة للتحقق على البرنامج النووي الإيراني، مقابل الرفع التدريجي للعقوبات والحصار البحري، يمثل بديلاً أقل تكلفة من الحرب.

الدبلوماسية في مرحلة حساسة

تشير مجمل هذه التطورات إلى أن طهران وواشنطن، رغم استمرار الخلافات بشأن شروط الاتفاق، لا تزالان تبحثان عبر الوسطاء إمكانية العودة إلى طاولة المفاوضات.

وفي هذا السياق، تسعى قطر وباكستان إلى تقريب وجهات نظر الطرفين وإيجاد إطار يمكن أن يمهد للتوصل إلى تفاهم.

ومع ذلك، فإن تأكيد إيران المتزامن على جاهزيتها العسكرية، وتحذيرها من الرد على التهديدات دون قيود جغرافية، يعكسان حساسية المرحلة التي تجري فيها الجهود الدبلوماسية.

وفي ظل هذه المعطيات، قد تؤدي نتائج مشاورات الدوحة دوراً مهماً في تحديد مسار التطورات المقبلة، بين التوصل إلى اتفاق أو العودة إلى المواجهة العسكرية.

رأيك
captcha