هل تُفضي الدبلوماسية إلى نتيجة؟
وأفادت وكالة برنا للأنباء بأن الاتصالات المكثفة التي أجراها وزير الخارجية الإيراني سيد عباس عراقجي مع نظرائه في المنطقة، والتحركات القطرية والباكستانية للوساطة، والمشاورات الروسية مع طهران، تعكس جميعها جهوداً جديدة لمنع تجدد الحرب بين إيران والولايات المتحدة.
وتأتي هذه المساعي في ظل تصاعد الضغوط السياسية على دونالد ترامب، عقب هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، الأمر الذي أعاد الدوحة إلى مركز التحركات الدبلوماسية.
ومع ذلك، ورغم ظهور مؤشرات على رغبة واشنطن في استئناف المفاوضات، فإن الخلافات داخل دائرة صنع القرار في البيت الأبيض واستمرار التحركات العسكرية الأمريكية يشيران إلى أن المسار الدبلوماسي لا يزال مهدداً بالعودة إلى المواجهة العسكرية.
وفي هذا السياق، أعلن وزير الخارجية الإيراني سيد عباس عراقجي أنه أجرى، خلال الساعات الـ48 الماضية، اتصالات هاتفية منفصلة مع 12 من نظرائه في سلطنة عُمان ومصر والأردن والسعودية وقطر وقبرص وتركيا والكويت والإمارات وتونس والعراق وباكستان.
وبحث عراقجي خلال هذه الاتصالات أحدث التطورات الإقليمية والدولية وتداعيات الإجراءات التصعيدية الأمريكية والإسرائيلية.
كما استعرض مواقف طهران، مؤكداً ضرورة وقف الاعتداءات والتهديدات، واحترام السيادة الوطنية للدول، وإرساء ترتيبات أمنية إقليمية بعيداً عن تدخل القوى من خارج المنطقة.
وجاءت هذه الاتصالات في وقت أعربت فيه دول المنطقة أيضاً عن قلقها إزاء تداعيات اندلاع جولة جديدة من المواجهات.
الدوحة في قلب التحركات الدبلوماسية
تظل قطر أحد المحاور الرئيسية للجهود الرامية إلى منع تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن.
وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن مسؤولين إيرانيين قد يعودون إلى الدوحة لمواصلة المحادثات بشأن اتفاق محتمل بين البلدين.
وبحسب التقرير، فإن العودة المحتملة للوفد الإيراني تأتي في إطار الجهود الدبلوماسية الرامية إلى التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز.
وأعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، يوم السبت، استمرار تعاون الدوحة مع واشنطن لاحتواء الأزمة، مؤكداً أن المنطقة لم تعد قادرة على تحمل جولة جديدة من التصعيد.
كما واصلت قطر مشاوراتها مع الولايات المتحدة ودول المنطقة على المستويين العسكري والسياسي.
وتندرج في هذا الإطار محادثات وزير الدفاع القطري مع وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، واتصال رئيس الوزراء القطري بوزير الخارجية الإماراتي.
وكان موقع «أكسيوس» قد نشر مؤخراً مسودة مقترح قدمه الوسطاء القطريون لإنهاء المواجهات.
ووفقاً للمسودة، ترفع الولايات المتحدة في اليوم الأول الحصار البحري المفروض على إيران، وتفرج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة.
وفي المقابل، توجه طهران دعوة رسمية إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية لزيارة المنشآت النووية التي تعرضت للقصف، استناداً إلى اتفاق القاهرة.
وفي اليوم الثاني، يُعاد فتح مضيق هرمز، على أن تُستأنف بعد ذلك المفاوضات النووية، التي ستتركز بصورة رئيسية على مخزونات إيران من اليورانيوم عالي التخصيب.
طلب بوتين من رضائي
بالتزامن مع تحركات الدوحة، تسعى موسكو أيضاً إلى أداء دور في خفض التوتر بين إيران والولايات المتحدة.
وذكرت صحيفة «العربي الجديد»، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن الاتصالات الروسية الأخيرة مع طهران جاءت عقب طلب تقدمت به الولايات المتحدة وبعض دول الخليج إلى موسكو للتوسط وإقناع إيران بالدخول في مفاوضات مباشرة مع واشنطن.
وبحسب التقرير، طلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال لقائه الأخير مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، من طهران الدخول في مفاوضات مباشرة مع الجانب الأمريكي، موضحاً مزايا هذه الخطوة.
إلا أن رضائي شرح، رداً على ذلك، أسباب معارضة إيران للمفاوضات المباشرة في الظروف الراهنة، مشيراً إلى ما وُصف بأنه إخلال الولايات المتحدة بالتزاماتها خلال مفاوضات إسلام آباد.
ووفقاً لمصادر «العربي الجديد»، تمثل موقف طهران في ضرورة أن تتخذ واشنطن أولاً خطوات عملية لإعادة بناء الثقة المفقودة، وأن تنفذ التزاماتها الواردة في مذكرة تفاهم إسلام آباد.
من جانبه، أعلن بوتين استعداد موسكو للاضطلاع بدور في تسوية القضايا العالقة إذا أُجريت مفاوضات نووية مستقبلاً.
ومع ذلك، أكدت مصادر الصحيفة أن الوساطة الروسية لم تصل بعد إلى مرحلة تقديم مبادرة محددة للطرفين.
جهود فانس للخروج من الحرب
وفي واشنطن، تتواصل بالتزامن مع هذه التحركات جهود لإعادة الملف الإيراني إلى المسار الدبلوماسي.
وذكر موقع «أكسيوس» أن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس شارك شخصياً، خلال الأسبوعين الماضيين، في المفاوضات غير المباشرة مع إيران بهدف التوصل إلى وقف جديد لإطلاق النار واستئناف المفاوضات النووية.
وبحسب مصادر مطلعة، أجرى فانس محادثات شبه يومية مع رئيس الوزراء القطري وقائد الجيش الباكستاني ووسطاء آخرين بشأن مسار المفاوضات.
كما يشارك في هذه الجهود المبعوث الخاص للبيت الأبيض ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة بالنظر إلى أن فانس كان من منتقدي تكاليف الحرب، كما ربط هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي بتداعيات هذه المواجهة.
وبحسب «أكسيوس»، فإن مشاركته المباشرة تشير إلى أن جانباً من الإدارة الأمريكية يسعى إلى إيجاد مخرج من الحرب والتوصل إلى اتفاق يتيح إنهاء الأزمة.
وكان دونالد ترامب قد قال يوم الجمعة، رداً على سؤال بشأن رسالته إلى إيران: «نحن نجري محادثات معهم».
انقسام في واشنطن.. الدبلوماسية أم شن هجوم جديد؟
رغم ذلك، لا تعني الجهود الدبلوماسية وجود إجماع داخل الإدارة الأمريكية على إنهاء الحرب.
فقد برز اتجاهان مختلفان داخل الدائرة المقربة من ترامب بشأن كيفية التعامل مع إيران.
في أحد جانبي هذا الخلاف، يقف فانس وويتكوف، اللذان يدعمان استمرار المفاوضات والتوصل إلى اتفاق.
وفي الجانب الآخر، يأتي وزير الحرب بيت هيغسيث والأدميرال براد كوبر، اللذان أيدا، خلال إحاطات أخيرة، العودة إلى العمليات العسكرية واسعة النطاق.
كما يحث عدد من المستشارين المتشددين من خارج الإدارة ترامب على استئناف الهجمات، مؤكدين ضرورة إجبار إيران على التراجع في ملفها النووي.
ولا يزال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أبرز المؤيدين لتصعيد الضغط العسكري على إيران.
وفي المقابل، يشدد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت على استمرار الحصار الاقتصادي وتشديد العقوبات، وهو توجه يمكن اتباعه بوصفه مساراً وسطاً بين الهجوم العسكري والاتفاق الدبلوماسي.
استمرار الاستعدادات العسكرية الأمريكية
ومع ذلك، لا تزال مؤشرات الاستعداد العسكري الأمريكي لافتة للنظر.
فقد ذكرت شبكة «إن بي سي نيوز» أن بعض المسؤولين في الإدارة الأمريكية ووزارة الدفاع أبلغوا ترامب بأن الفرصة المتاحة أمامه لاستئناف عمليات واسعة النطاق ضد إيران محدودة، وأن من الأفضل اتخاذ قراره قبل بدء عمل الكونغرس الجديد في يناير.
وبحسب الشبكة، فإن هذا التقييم يعني وجود نافذة زمنية تقارب ثمانية أسابيع أمام الرئيس لاتخاذ القرار.
ومن جهة أخرى، يشير تقرير صحيفة «فايننشال تايمز» بشأن مساعي الولايات المتحدة لإرسال حاملة طائرات ثالثة إلى الشرق الأوسط إلى استمرار الاستعدادات العسكرية الأمريكية.
مرحلة حاسمة
في المجمل، تشير التطورات الأخيرة إلى أن الملف الإيراني بلغ مرحلة مفصلية.
فمن جهة، تبذل قطر وباكستان وروسيا جهوداً لإعادة طهران وواشنطن إلى طاولة المفاوضات، فيما يسعى جانب من إدارة ترامب إلى التوصل إلى اتفاق.
ومن جهة أخرى، فإن الخلافات الداخلية في واشنطن واستمرار الاستعدادات للخيارات العسكرية لا يستبعدان احتمال العودة إلى المواجهة.
ويبقى السؤال الرئيسي: هل سيتمكن الوسطاء من بلورة إطار مقبول للطرفين قبل انقضاء الفرصة المتاحة لاتخاذ قرار دبلوماسي، أم أن الخلاف حول شروط المفاوضات سيعيد تفعيل مسار المواجهة العسكرية؟
انتهى الخبر.