من روجيه غارودي إلى مهدية إسفندياري؛

تحليلٌ لازدواجية السياسة الفرنسية في دعم الكيان الصهيوني وتناقضات الديمقراطية في مهدها

|
۲۰۲۵/۰۹/۰۷
|
۱۷:۳۴:۰۳
| رمز الخبر: ۴۴۴
تحليلٌ لازدواجية السياسة الفرنسية في دعم الكيان الصهيوني وتناقضات الديمقراطية في مهدها
برنا- القسم السیاسي: بين شعارات الديمقراطية وممارسات الواقع، تتكشف ازدواجية فرنسا في تعاطيها مع القضية الفلسطينية ودعمها الصامت للكيان الصهيوني. من غارودي إلى إسفندياري، تتصاعد الأصوات التي تحذر من سياسة تُقوّض مبادئ العدالة وتشكّك في صدقية الخطاب الفرنسي على الساحة الدولية.

وأفادت وكالة برنا للأنباء، في تحليل السياسة الخارجية الفرنسية تجاه القضية الفلسطينية والكيان الصهيوني، يمكن الالتفات إلى شخصيتين تمثلان وجهين متقدّمًا ومتأخرًا في نقد هذه السياسات: روجيه غارودي، الفيلسوف والمنظّر السياسي الذي اتخذ في تسعينيات القرن الماضي موقفًا حادًا ومختلفًا من الحكومة الفرنسية، ومهدية إسفندياري، الباحثة المعاصرة التي عالجت النهج نفسه بنقدٍ بنيوي ومؤسساتي في إطار دراسات سياسة الشرق الأوسط. إن دراسة آراء هاتين الشخصيتين إلى جانب المقاربة الرسمية للدولة الفرنسية تكشف تناقضًا بنيويًا وعمق أزمة في الممارسة السياسية لهذا البلد؛ تناقضًا يسوق الديمقراطية المُدّعاة إلى المذبح ويصنع سياسةً مزدوجة تُفضي في نهاية المطاف إلى فقدان الشعارات الرسمية لمصداقيتها.

في كتابه الجدلي «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية» (1996)، وجّه روجيه غارودي نقدًا جذريًا للبنية السياسية–الأيديولوجية للكيان الصهيوني، وأبرز الاستخدام الأداتي لذاكرة المحرقة، داعيًا الحكومة الفرنسية والمجتمع الدولي إلى تبنّي مواقف أكثر صدقًا إزاء الفلسطينيين. ولم يقتصر نقد غارودي على إثارة ردود فعل قضائية فحسب، بل كشف أيضًا عن السياسات المزدوجة لفرنسا؛ إذ تقدّم نفسها من جهة كمدافعة عن حقوق الإنسان، وتتّخذ من جهة أخرى صمتًا ذا دلالة حيال انتهاك حقوق الفلسطينيين. هذا التناقض يطرح سؤالًا فلسفيًا أساسيًا في الفكر السياسي: هل يمكن للديمقراطية المُعلَنة أن تتعايش مع انتهاك حقوق الشعوب والاحتلال؟

وفي السياق ذاته، تتقدّم مهدية إسفندياري بوصفها ممثّلةً للجيل الجديد من محلّلي شؤون الشرق الأوسط لتعيد قراءة هذه السياسات من منظور نقدي بنيوي. وتؤكد أن سياسة الحكومة الفرنسية ليست مجرد خطأ أو تهاون، بل هي ثمرةٌ لمصالح جيوسياسية ولعبة قوى في النظام الدولي تُنفَّذ تحت غطاء شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان. ومن وجهة نظرها، فإن هذه السياسة المزدوجة خنجرٌ مسموم شوّه مصداقية فرنسا على المستوى الدولي، ونال من ثقة الرأي العام بوعود الحل المنصف لقضية فلسطين.

ويبيّن تحليل غارودي وإسفندياري معًا أن الدولة الفرنسية تستخدم الديمقراطية أداةً لإضفاء الشرعية على سياساتها، لكنها في ميدان الشرق الأوسط توظّف هذه الأداة انتقائيًا لصون مصالح بعينها. وهكذا تُداس الديمقراطية في «مهدها» على نحوٍ يبعث على السخرية، وتُقدَّم حقوق الفلسطينيين قربانًا لمعايير مزدوجة. ومن هذا المنطلق، تبدو تصريحات إيمانويل ماكرون الداعمة لتأسيس دولة فلسطينية مستقلة أقرب إلى موقف رمزي عديم الأثر منها إلى إرادة سياسية فعلية، إذ تتناقض عمليًا مع السياسات الداعمة للكيان الصهيوني.

وفي الختام، يحمل تحليل روجيه غارودي ومهدية إسفندياري تحذيرًا للسياسيين الفرنسيين وللرأي العام العالمي مؤدّاه أن استمرار هذه الازدواجية لا يعرقل مسار السلام والعدالة فحسب، بل يضع أسس شرعية الديمقراطية وحقوق الإنسان في مهدها موضع تساؤل. وللاستعادة الحقيقية للمصداقية، لا بدّ لفرنسا من مراجعة سياساتها وتطبيق الديمقراطية بمعناها الحقّ بعيدًا عن الحسابات السياسية والاقتصادية.

رأيك
captcha