في مديح الفن السابع في أرض فارس

السينما الإيرانية؛ مرآة التاريخ والمجتمع وأحلام شعب

|
۲۰۲۵/۰۹/۱۲
|
۱۴:۵۶:۰۳
| رمز الخبر: ۴۸۳
السينما الإيرانية؛ مرآة التاريخ والمجتمع وأحلام شعب
يوافق 21 شهریور (11 أيلول/سبتمبر) «اليوم الوطني للسينما» في إيران؛ مناسبة للاحتفاء بفنٍّ قطع رحلة طويلة من أزقة جنوب طهران الترابية إلى السجادة الحمراء في كان والأوسكار. سينما تنبض كل لقطةٍ منها بروح الإيرانيين، وحكمة الشرق، وصمود الثقافة؛ كأنّ الكاميرا التقطت روح التاريخ وأسقطتها على الشاشة.

وأفادت وكالة برنا للأنباء، السينما في إيران ليست فناً مستورداً فحسب، بل منذ بداياتها في عهد القاجار امتزجت بالثقافة والتاريخ والبنية الاجتماعية الإيرانية، وأصبحت أداة لفهم المجتمع ومرآة لهمومه وتحوّلاته. أُقيم أول عرضٍ عامٍّ للأفلام في إيران عام 1279 هجري شمسي، ولم تمضِ عقود قليلة حتى ظهرت أعمال لامعة مثل "البقرة" (داريوش مهرجويي) و"قيصر" (مسعود كيميائي)، لترسم للسينما الإيرانية هويتها المستقلة. تزامنت ولادة السينما مع صعود التيارات الحداثية في إيران، فغدت سريعاً ساحةً للتجاذب بين التقليد والتجديد. نظر الناس إلى الشاشة الفضية بعين الدهشة والحذر، ولكن أيضاً بالأمل؛ كونها وسيلة جديدة للتسلية، وللإيقاظ.

من الموجة الجديدة إلى السينما الاجتماعية: اختبار دائم

في الستينيات والسبعينيات، بزغت "الموجة الجديدة" في السينما الإيرانية؛ تيار فني ركّز على الشعرية، وكسر القوالب، ومركزية الإنسان، مبتعداً عن السينما التجارية والتقليدية.
أعمال مثل "باشو، الغريب الصغير"، و"الطبيعة الجامدة"، و"أين منزل الصديق؟" لم تُحدث تأثيراً داخلياً فحسب، بل خطّت صوتاً مختلفاً من العالم الثالث في المهرجانات الدولية.
وقد كانت هذه الموجة، بخلاف نظيراتها الغربية، محاولة لإعادة صياغة لغة السينما عبر الأدب الفارسي، والشعر، والأساطير الإيرانية، مع طرح أسئلة عن الإنسان والموت والحب والوطن والعدالة بلغة بصرية جديدة.

السينما بعد الثورة: من الأزمة إلى الخلق الرمزي

عقب انتصار الثورة الإسلامية، اعتقد كثيرون أن السينما الإيرانية وصلت إلى نهايتها. لكن ما حصل كان العكس تماماً، إذ دخلت السينما مرحلة نضج جديدة. عمد الكتّاب والمخرجون إلى استخدام الرمز والاستعارة والسرد الطبقي لبناء عالم تعبيري جديد. برزت أسماء مثل مجيد مجيدي، وإبراهيم حاتمي كيا، ورخشان بني اعتماد، وأصغر فرهادي، وكيانوش عياري، فحصدوا جوائز عالمية وأصبحوا سفراء للحقيقة الإيرانية أمام العالم. تحوّلت السينما في تلك الحقبة إلى ساحة للأسئلة الكبرى: الحرب والسلام، الدين والحداثة، العدالة والفقر. واستطاعت، رغم الرقابة، أن تبتكر لغتها الخاصة التي تنقل جوهر الحياة الإيرانية.

الإنسان هو المحور: الأطفال، النساء، الفقر، الأخلاق

من أبرز سمات السينما الإيرانية تركيزها العميق على الإنسان. فهي لا تعتمد على أبطال خارقين أو مؤثرات ضخمة، بل على القصص الإنسانية البسيطة والعميقة. أفلام عباس كيارستمي مثلاً تناولت عالم الطفولة بدقّة شاعرية، فيما غاصت أفلام أصغر فرهادي في تعقيدات الأخلاق اليومية والضمير. المرأة الإيرانية في السينما ليست انعكاساً للنماذج الغربية أو ضحية فقط، بل رمز للبحث عن الذات والمقاومة. وتبقى السينما الإيرانية قائمة على أكتاف ممثلين مجهولين، وأطفال من القرى، وأمهات مرهقات، وهي تستنطق وجدان المشاهد، وليس عينه فقط.

السينما المستقلة والمؤسسات الرسمية: ثنائية معقّدة

رغم أنّ كثيراً من المخرجين في إيران استفادوا من دعم مؤسسات الدولة، فإن السينما المستقلة حافظت على مكانة جوهرية في المشهد الفني. مهرجانات مثل فجر، والحقيقة، والطفل والناشئة ساهمت في تنشيط الحركة، لكنها لم تكن خالية من الرقابة أو القيود المفروضة على بعض الأعمال. هذه الثنائية بين السينما المدعومة والمستقلة، كانت دائماً أحد المحرّكات الداخلية في تطور هذا الفن. والمخرج الشاب الإيراني يجد نفسه دوماً في ممرّ ضيق بين التكيّف، أو الابتكار، أو الهجرة الإبداعية.

 الجوائز الدولية: من كان إلى الأوسكار

حققت السينما الإيرانية نجاحات دولية باهرة. من السعفة الذهبية لفيلم "طعم الكرز" (عباس كيارستمي)، إلى جائزتي أوسكار لأصغر فرهادي عن "انفصال نادر عن سيمين" و"البائع"، إلى جوائز في برلين، وفينيسيا، ولوكارنو، وطوكيو. تلك النجاحات لم تكن وليدة الإنتاج الضخم أو التسويق، بل كانت ثمرة الصدق، والبساطة، والعمق الإنساني. غالباً ما كوفئت أفلام مصوّرة بكاميرات بسيطة، وميزانيات ضئيلة، لكنها تمسّ جوهر الإنسانية. العالم رأى في السينما الإيرانية شيئاً افتقده في السينما التجارية: الصدق.

التحديات والآمال: درب طويل مستمر

ما زالت السينما الإيرانية تواجه تحديات كثيرة؛ من الرقابة، إلى ضعف التمويل، إلى القيود الدولية، إلى غياب بنية توزيع فعالة. لكن دخول جيل جديد من المخرجين الشباب، وانتشار المنصّات الرقمية، وتطوّر الفيلم القصير والوثائقي، فتح آفاقاً جديدة. اليوم، يمكن لفيلم صُوّر بهاتف محمول وبميزانية زهيدة أن يصل إلى مهرجانات عالمية؛ وهذه الحقيقة وحدها تُبقي الأمل حيّاً في قلب السينما الإيرانية.

في 21 شهریور (11 سبتمبر)، اليوم الوطني للسينما في إيران، نستعيد هوية وذاكرة شعب رسم ملامحهما عبر الشاشة؛ مرآة يرى فيها المجتمع نفسه، وأداة لرصد الألم والحلم والجمال. السينما الإيرانية ليست مجرد صناعة، بل هي فكرٌ، وذاكرةٌ جماعية، ولغةٌ مشتركة يخاطب بها الإيرانيون العالم، والعالم يصغي إليها باحترام. رغم التحديات، تستمر هذه السينما بالتألق، والتأمل، والإبداع.

تتقدّم برنا عربی بأحرّ التهاني إلى جميع الفنانين، والمخرجين، والممثلين، والنقّاد، والكتّاب، وعشّاق السينما في إيران بهذه المناسبة العزيزة، متمنّيةً للسينما الإيرانية المزيد من التألق، والحرية التعبيرية، والجمهور العالمي الأوسع.

 

رأيك
captcha