الآثار النفسية للأزمات السياسية على الأجيال الناشئة

حين تصل السياسة إلى غرفة الطفل

|
۲۰۲۶/۰۲/۱۵
|
۱۳:۵۵:۰۳
| رمز الخبر: ۱۶۶۷
حين تصل السياسة إلى غرفة الطفل
في سنواتٍ شهدت فيها عدة دول في المنطقة توترات سياسية وحالات من عدم الاستقرار، برزت مسألة الصحة النفسية للأطفال بوصفها أولوية متزايدة. فالأطفال، رغم أنهم ليسوا طرفاً في القرارات الكبرى، يشعرون بآثارها في أكثر أماكن حياتهم خصوصية ــ البيت والمدرسة. وهذه المسافة بين غياب الدور وشدة التأثر تجعلهم من أكثر الفئات هشاشة في أوقات الأزمات.

تقرير خاص بوكالة برنا ـ القسم العربي: غالباً ما تُروى النزاعات السياسية من خلال الخرائط والأرقام والتحليلات الاستراتيجية. لكن خلف هذه الصورة الرسمية، توجد حقيقة أكثر هدوءاً وأقل ظهوراً؛ حقيقة تتعلق بكيفية تشكّل وعي الجيل القادم ومشاعره. فحتى عندما لا يكون الأطفال في قلب الحدث، فإنهم يستقبلون القلق عبر أحاديث الكبار، وصور وسائل الإعلام، والتوتر الذي يسود الفضاء العام.

ويشير مختصون في علم النفس إلى أن تكرار الإحساس بعدم الأمان يمكن أن يغيّر نظرة الطفل إلى العالم. المكان الذي يفترض أن يكون مساحة للاكتشاف والتعلّم قد يتحول إلى بيئة غير متوقعة ومليئة بالتهديد.

مخاوف تتكوّن من دون كلمات

ليس لدى الطفل دائماً المفردات التي تتيح له شرح ما يشعر به. فقد يظهر القلق على شكل كوابيس، أو تراجع في التركيز، أو تعلق مفرط بالوالدين، أو حتى سلوك عدواني. وغالباً ما تُفهم هذه العلامات باعتبارها مشكلات انضباط، بينما قد تكون في الحقيقة استجابة طبيعية لضغط مستمر.

التعرض المتواصل للأخبار المقلقة يبقي ذهن الطفل في حالة تأهب دائم، فلا يحصل الجسد ولا النفس على فرصة للعودة إلى هدوئهما. ومع مرور الوقت، قد يصبح القلق حالة مزمنة تؤثر في النمو العاطفي والمعرفي.

الأسرة… إدارة المعنى وسط الاضطراب

قبل أن يفهم الأطفال ما يجري، يراقبون ردود فعل الكبار. القلق أو اليأس ينتقل بسرعة، كما تنتقل الطمأنينة عندما يتم شرح الأحداث بهدوء وبطريقة تناسب العمر. لذلك يؤكد الخبراء أهمية الحوار الصريح الذي يمنح الطفل إطاراً لفهم ما يحدث.

الحفاظ على الروتين اليومي، والاستمرار في اللعب، وفتح المجال للأسئلة، كلها عناصر تخلق إحساساً بالثبات. وهذا الثبات يبعث رسالة مفادها أن هناك نقاط أمان يمكن الاتكاء عليها رغم الفوضى الخارجية.

مستقبل يبدأ اليوم

تجربة انعدام الأمان في الطفولة لا تتوقف آثارها عند حدود الزمن الحاضر. فالطفل يبني تصوراً عن العالم: هل هو مكان يمكن الوثوق به؟ هل الآخرون مصدر حماية؟ وهل المستقبل قابل للتنبؤ؟ وعندما تتشكل هذه الصورة في أجواء من الخوف، فمن الطبيعي أن تحمل معها قدراً من الحذر والقلق.

وتوضح دراسات في علم النفس التنموي أن التعرض المزمن للتوتر قد يزيد في مراحل لاحقة من قابلية الفرد للاضطرابات القلقية أو صعوبة بناء الثقة الاجتماعية. ومع ذلك، لا يعني هذا أن المصير محتوم. فالدعم المقدم اليوم قادر على إعادة رسم الطريق غداً.

عندما تتوفر الرعاية العاطفية والتوجيه المناسب، يستطيع الأطفال أن ينمّوا قدرة عالية على التكيّف، بل وأن يحولوا التجارب الصعبة إلى مصدر للتعاطف والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين. من هنا، يصبح الاهتمام بصحتهم النفسية استثماراً مباشراً في صورة المجتمع المستقبلية.

مسؤولية يتقاسمها الجميع

رعاية الأطفال في أوقات الأزمات لا تقع على عاتق الأسرة وحدها. فالمدارس، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الاجتماعية، وحتى صناع المحتوى في الفضاء الرقمي، جميعهم يشاركون في تشكيل الشعور العام بالأمان. طريقة عرض الأخبار، وتقليل إعادة بث مشاهد العنف، وتقديم رسائل تبعث على الأمل، يمكن أن تخفف من حدة الضغط النفسي.

كما أن توفير مساحات للحديث عن المخاوف، وتعليم مهارات التعامل مع التوتر، وتعزيز الإحساس بالانتماء، يساعد الطفل على ألا يشعر بالعزلة. وهذا الشعور بالمرافقة يُعد من أهم عوامل الحماية على المدى الطويل.

في النهاية، فإن كيفية التعامل مع الأطفال خلال فترات الاضطراب تكشف مقدار الجدية التي ينظر بها أي مجتمع إلى مستقبله. فهم ليسوا صانعي القرار اليوم، لكنهم سيكونون حَمَلة الغد بعد أن تنتهي الأزمات.

رأيك
captcha