اللغة الأم…ذاكرة حيّة للشعوب وركيزة خفيّة للهوية الثقافية
تقرير خاص بوكالة برنا ـ القسم العربي:
قبل أن يكون الإنسان مواطناً في دولة، هو ابنُ لغةٍ تشكّل وعيه الأول. أولى الكلمات، وأولى الحكايات، وحتى أولى المخاوف والأحلام، تتكوّن في إطار اللغة الأم. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أداة لتشكيل الرؤية إلى العالم وبناء المعنى. لكل لغة طريقتها الخاصة في تسمية الأشياء وفهم الواقع، ولذلك فإن اندثار لغة ما لا يعني اختفاء مفردات فحسب، بل اختفاء طريقة كاملة في التفكير.
في عصر تتسارع فيه عمليات العولمة وتتعاظم نزعات التنميط الثقافي، باتت اللغات المحلية والأقل انتشاراً عرضة للتهميش أو النسيان. فالهجرات الواسعة، وهيمنة الإعلام الدولي، وأنظمة التعليم أحادية اللغة، والضغوط الاقتصادية، جميعها عوامل تسهم في إضعاف التنوع اللغوي. ومن هنا يأتي اليوم العالمي للغة الأم بوصفه مناسبة لإعادة التأمل في أهمية هذا الإرث غير المادي ودوره في حفظ التوازن الثقافي العالمي.
اللغة الأم، أساس تشكّل الهوية
تشكل اللغة الأم الإطار الأول الذي يكتشف من خلاله الفرد محيطه. فمن خلالها لا يتعلم الطفل المفردات فحسب، بل يكتسب القيم وأنماط التفكير وأساليب التواصل. لذلك ترتبط اللغة ارتباطاً وثيقاً بالهوية الفردية، إذ تمنح الإنسان إحساسه بالانتماء والجذور.
وعلى المستوى الجمعي، تُعد اللغة أحد أهم مكونات الهوية الثقافية. فالأدب، والشعر، والموسيقى، والأمثال الشعبية، والروايات الشفوية، كلها تنبض في فضاء اللغة الأم. وكل كلمة تحمل في طياتها طبقات من الذاكرة التاريخية والتجربة الإنسانية. وحين تضعف لغة ما، تتعرض هذه الذاكرة الجمعية لخطر التآكل.
إن صون اللغة الأم ليس دفاعاً عن وسيلة تعبير، بل حماية لرصيد ثقافي وحضاري يشكّل جزءاً من الوعي الجماعي للشعوب.
التنوع اللغوي، ثروة إنسانية مشتركة
يضم العالم اليوم آلاف اللغات الحيّة، غير أن عدداً كبيراً منها مهدد بالاندثار. وكل لغة تمثل نافذة فريدة على العالم، ونظاماً خاصاً لتصنيف المفاهيم وتفسير الظواهر. ففي بعض اللغات مفردات لا نظير دقيق لها في لغات أخرى، ما يعكس ثراء التجربة البشرية وتنوعها.
اندثار لغة يعني فقدان معارف محلية تراكمت عبر قرون، بما في ذلك معارف مرتبطة بالطبيعة، والزراعة، والطب التقليدي، والبيئة. وهكذا، فإن حماية التنوع اللغوي ليست مسألة ثقافية فحسب، بل قضية تتعلق بالحفاظ على المعرفة الإنسانية ذاتها.
التنوع اللغوي هو أحد أعمدة التنوع الثقافي، وصونه مسؤولية جماعية تتجاوز الحدود الوطنية.
اللغة الأم والعدالة التعليمية
تشير الدراسات التربوية إلى أن الأطفال الذين يتلقون تعليمهم الأولي بلغتهم الأم يحققون نتائج أفضل في اكتساب المهارات الأساسية، ويتمتعون بثقة أكبر بالنفس. فالتعلم بلغة مألوفة يقلل من الشعور بالغربة الثقافية، ويعزز المشاركة الفاعلة داخل البيئة المدرسية.
غير أن دعم اللغة الأم لا يعني إقصاء اللغات الوطنية أو العالمية. فالمسألة لا تتعلق بصراع بين اللغات، بل بإيجاد توازن يضمن الحفاظ على الهوية اللغوية مع الانفتاح على آفاق أوسع. والسياسات التعليمية الناجحة هي تلك التي تتيح الجمع بين صون اللغة الأم وتعلّم لغات أخرى، بما يعزز قدرات الأفراد على التواصل محلياً وعالمياً.
اللغة الأم في العصر الرقمي؛ بين التحدي والفرصة
أحدثت التكنولوجيا تحولاً عميقاً في أنماط استخدام اللغة. فمن جهة، قد تؤدي هيمنة عدد محدود من اللغات في الفضاء الرقمي إلى تراجع حضور اللغات الصغيرة. ومن جهة أخرى، تتيح الوسائط الحديثة فرصاً غير مسبوقة لتوثيق اللغات المحلية وتعليمها ونشرها.
إن إنشاء محتوى رقمي باللغات الأم، وإنتاج كتب إلكترونية، وتسجيل الروايات الشفوية، وتطوير قواميس رقمية، كلها أدوات يمكن أن تسهم في حماية اللغات المهددة. وبوسع الأجيال الجديدة أن توظف هذه الوسائل لتحويل اللغة الأم إلى عنصر فاعل في الحياة المعاصرة، لا مجرد إرثٍ من الماضي.
آفاق المستقبل، مسؤولية تتجاوز يوماً واحداً
يذكّر اليوم العالمي للغة الأم بأن التنوع اللغوي هو حجر الأساس للتنوع الثقافي. وحماية اللغات ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل مسؤولية الأسر، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني.
فحين تبقى اللغة الأم حيّة، تبقى معها القصص والذكريات والتجارب التي تشكّل الوعي الجمعي. وصون اللغة هو في جوهره صونٌ للكرامة الثقافية. وفي عالم يميل إلى التشابه، يصبح الحفاظ على اللغات الأم فعلاً للحفاظ على تعددية الثقافة الإنسانية وثرائها.