هوشنگ ابتهاج… صوت الغزل المعاصر وذاكرة جيلٍ مثقل بالحنين
تقرير خاص بوكالة برنا ـ القسم العربي: في مسار الشعر الفارسي الحديث، هناك شعراء ارتبطوا بمرحلة زمنية محددة، وهناك من تجاوزوا الزمن ليصبحوا جزءاً من الهوية الثقافية الدائمة. هوشنگ ابتهاج ينتمي إلى الفئة الثانية؛ شاعر لم يكن حضوره عابراً، بل ممتداً عبر عقود من الإبداع المتزن والعميق.
تميّز «سایه» بقدرته على الجمع بين الوفاء الصارم للتراث الكلاسيكي والوعي الكامل بتحولات العصر. لم ينفصل عن الماضي، ولم يذُب في موجة الحداثة المطلقة، بل اختار أن يقف في نقطة التقاء دقيقة بين الاثنين. في شعره، تلتقي موسيقى الأوزان العريقة مع حساسية إنسان القرن العشرين، ويصبح الغزل ساحة لتجربة وجودية معاصرة لا مجرد تقليد فني.
لم يكن شاعر انفعال سريع، بل شاعر تأمل طويل؛ وكان نصّه ثمرة معرفة عميقة باللغة، ووعي تاريخي بالتحولات التي عاشها مجتمعه.
إحياء الغزل بروحٍ معاصرة
في زمنٍ اعتقد فيه كثيرون أن الغزل الكلاسيكي فقد قدرته على التعبير عن الإنسان الحديث، جاء «سایه» ليعيد إليه مكانته. لم يسعَ إلى هدم القالب، بل إلى تجديد الروح داخله. كان يؤمن أن الوزن ليس قيداً، بل طاقة إيقاعية يمكنها أن تحتضن تجربة حديثة إذا ما أُحسن توظيفها.
تميّزت قصائده بدقة لغوية لافتة؛ فالكلمة عنده ليست زينة، بل عنصر أساسي في البناء الدلالي والموسيقي للنص. الإيقاع ينبع من الداخل، لا من زخرفة سطحية. لهذا تبدو قصائده وكأنها تُغنّى حتى قبل أن تُلحَّن.
ومن أشهر أبياته:
«لن يُفشيَ أحدٌ ما بيني وبينك
ما دامت إشاراتُ العيونِ رسولَ سرِّنا بيننا.»
في هذا البيت، يتحول النظر إلى لغة، وتغدو الإشارة رسالة صامتة، ويصبح الصمت نفسه حارساً للعشق. هذه القدرة على تكثيف الشعور في إطار موسيقي رصين هي ما منح غزله قوة البقاء. لم يكن غزله هروباً من الواقع، بل شكلاً راقياً من التأمل في التجربة الإنسانية.
لقد أثبت أن الحداثة لا تعني دائماً القطيعة مع التراث، بل يمكن أن تتحقق عبر إعادة اكتشاف طاقاته الكامنة.
الشعر الاجتماعي… بين الجرح والأمل
لم يكن ابتهاج شاعر العاطفة الفردية فحسب، بل كان أيضاً مرآة لتحولات عصره. في العقود التي شهدت اضطرابات سياسية وثقافية عميقة، حمل شعره صدى القلق الجماعي، من دون أن ينزلق إلى المباشرة أو الخطابة.
اعتمد الرمز لغةً، والاستعارة جسراً، ليعبّر عن جراح المرحلة وأحلامها المؤجلة. ومن أشهر نصوصه في هذا السياق قصيدة «أرغوان»، التي يقول فيها:
«يا أرغوان، ما هذا السرّ
أن يأتي الربيع كلّ مرةٍ بعزاء قلوبنا؟»
الربيع، رمز الحياة والانبعاث، يأتي هنا مشوباً بالحزن. هذه المفارقة هي لبّ شعره الاجتماعي: الأمل الذي يولد من الألم، والضياء الذي يشق طريقه عبر العتمة.
لم يكن صوته صاخباً، بل عميقاً. لم يكن شعره صرخة مباشرة، بل أنيناً مشحوناً بالوعي. وقد استطاع عبر هذا الأسلوب أن يمنح التجربة الجماعية بعداً إنسانياً يتجاوز حدود اللحظة التاريخية.
الشعر والموسيقى… من الصفحة إلى الصوت
من أبرز ملامح تجربة «سایه» علاقته الوثيقة بالموسيقى الفارسية. فقد لعب دوراً محورياً في برنامج «گلها» الإذاعي، الذي شكّل محطة بارزة في الثقافة الإيرانية الحديثة. هناك، ساهم في ترسيخ العلاقة العضوية بين القصيدة واللحن، مؤمناً بأن الشعر الفارسي وُلد في حضن الإيقاع.
كانت قصائده، بما تحمله من بنية إيقاعية متوازنة، قابلة للغناء بسهولة. وقد أدّاها كبار المطربين، لتصبح جزءاً من الذاكرة السمعية لجمهور واسع. وهكذا لم يبقَ شعره حبيس الكتب، بل تحوّل إلى صوت يتردد في البيوت، ويُستعاد في لحظات الحنين والتأمل.
حين تُغنّى القصيدة، تتجاوز حدود القراءة الفردية لتصبح تجربة جماعية. وهذا ما حققه «سایه» بامتياز؛ فقد دخل شعره إلى الحياة اليومية، لا باعتباره نصاً أدبياً فحسب، بل بوصفه إحساساً مشتركاً.
سنوات النضج والتأمل
في سنواته الأخيرة، عاش ابتهاج بعيداً عن وطنه، غير أن صوته ظل حاضراً بقوة. اتسم شعره في تلك المرحلة بهدوءٍ أعمق، وتأملٍ أكثر صفاءً. بدا وكأن التجربة الطويلة منحته حكمة إضافية، فجاءت قصائده أكثر اختزالاً، لكنها أكثر كثافة.
ومن أبياته الدالة على هذا النضج:
«أسكتُّ صخبَ العود
كي لا ترتجف روحٌ رقيقة.»
في هذه الصورة، تتجلى فلسفة كاملة: القوة في اللين، والصمت في مواجهة الضجيج. إنها لغة شاعرٍ تعلّم أن الكلمة قد تكون أبلغ حين تُقال بهدوء.
برحيله، فقد الشعر الفارسي أحد أعمدته، لكن إرثه ظل حياً. ودفنه في مسقط رأسه رشت كان عودة رمزية إلى الجذور الأولى التي انطلقت منها تجربته.
شاعر يعبر الزمن
يبقى «سایه» حاضراً لأن شعره لم يكن وليد انفعال عابر، بل ثمرة وعيٍ عميق باللغة والحياة. جمع بين الصدق العاطفي والإتقان الفني، وبين الموسيقى والمعنى، وبين الفردي والجماعي.
لقد أثبت أن القصيدة الصادقة قادرة على عبور الأزمنة، وأن الغزل ما يزال يحمل طاقة التعبير عن الإنسان في كل عصر.
في ذكرى السادس من اسفند، نستحضر صوتاً ظلّ يتردد في فضاء الشعر الفارسي عقوداً طويلة، صوتاً لم يكن صاخباً، لكنه كان عميقاً… صوت «سایه».