زيارة وفد إيراني إلى قطر؛ علامة على جدية المفاوضات أم بداية مسار التوافق؟
أفادت وكالة "برنا" للأنباء- في حين لم تتوصل مفاوضات طهران وواشنطن إلى نقطة اتفاق مشترك، فإن تزامن زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى طهران ثم بكين، زاد من الانتباه لدور الصين وباكستان في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة. وقد تم حضور شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، والجنرال عاصم منير في الصين، في وقت لا تزال فيه الخلافات بين الطرفين بشأن تحرير أموال إيران، وموضوع وقف إطلاق النار في الجبهات الإقليمية، لا سيما لبنان، قائمة.
وخلال الأيام الأخيرة، نقلت وسائل الإعلام الداخلية عن واشنطن تراجعها عن بعض الالتزامات الأولية في المفاوضات؛ بما في ذلك معارضة الولايات المتحدة لتحرير جزء من أموال إيران، وهو ما تعتبره طهران شرطاً رئيسياً للتفاهم. وفي الوقت نفسه، تؤكد إيران على ضرورة فرض وقف إطلاق النار في جميع الجبهات بما في ذلك لبنان، لكن الولايات المتحدة لم تتلق بعد قبول هذا الأمر بسبب معارضة إسرائيل.
في هذا السياق، اكتسبت زيارة عاصم منير إلى الصين بعد عودته من طهران أهمية خاصة؛ لا سيما أن بكين أعلنت أيضاً استعدادها للعمل مع باكستان للمساعدة في "إعادة السلام والاستقرار إلى الشرق الأوسط". كما شكر شهباز شريف الصين على دعمها في هذه العملية خلال اجتماعه مع المسؤولين الصينيين، مشيراً إلى دور إسلام آباد في الوساطة بين طهران وواشنطن، وقال: "الأوضاع تسير في الاتجاه الصحيح".
وبالتزامن مع زيادة التحركات الدبلوماسية لخفض التوتر بين طهران وواشنطن، تلقت قطر دوراً أكثر نشاطاً في عملية الحوار، بالتنسيق مع جهود الوساطة الباكستانية. وفي أواخر الأسبوع الماضي، أفاد مصدر دبلوماسي قطري لـ "الجزيرة" بأن وفداً من الدوحة توجه إلى طهران لدعم عملية الوساطة الباكستانية. ووفقاً للتقارير، التقى هذا الوفد يوم الجمعة مع وزير الخارجية الإيراني في طهران. وقد ترأس الوفد المستشار الأمني لرئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، وهو منصب شغل سابقاً في زيارة إلى طهران.
وأجرى عباس عراقجی، خلال يومي الجمعة والسبت، محادثات هاتفية مع الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري. وأكد إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، على عقد مفاوضات الوفد القطري في طهران، مشدداً على أن دول المنطقة والخارجية المختلفة تحاول في الظروف الحالية لعب دور لإنهاء الحرب ومنع انتشار التوترات. وقد كثفت التحركات الدبلوماسية القطرية والباكستانية إلى طهران، في وقت أعلنت فيه إيران والولايات المتحدة مساء السبت أن الطرفين اقتربا جداً من التوصل إلى تفاهم لإنهاء الحرب وخفض التوترات؛ وهو ما يشير إلى أن التحركات الأخيرة في الدوحة وإسلام آباد لم تكن بلا تأثير في تجاوز المفاوضات للمرحلة الحساسة الحالية.
في سياق التحركات الدبلوماسية المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، غادر محمدباقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإسلامي ورئيس الوفد التفاوضي الإيراني، طهران مساء يوم الاثنين الرابع من خرداد متوجهاً إلى الدوحة، مصحوباً بسيد عباس عراقجی، وزير الخارجية الإيراني. من المقرر أن يلتقي الوفد الإيراني رفيع المستوى في هذه الزيارة مع الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري. وتأتي هذه الزيارة في وقت ازدادت فيه التكهنات حول اقتراب إيران والولايات المتحدة من تفاهم لإنهاء الحرب بوساطة باكستان. ولهذا السبب، أثار إرسال كل من قاليباف وعراقجی إلى الدوحة تساؤلات حول علاقة هذه الزيارة بمسار المفاوضات والترتيبات المحتملة للاتفاق.
ووفقاً للمعلومات المنشورة، تمت زيارة الوفد الإيراني في إطار تبادل الرسائل الجارية بين طهران وواشنطن عبر وساطة باكستان، وكان الهدف الرئيسي منها تقييم مدى جدية الطرف الأمريكي، ودراسة إمكانية التحقق من التزامات واشنطن قبل قبول أي اتفاقية نهائية. وتؤكد طهران أنه قبل الدخول في أي عملية رسمية وقبول الالتزامات العملية، يجب التأكد من تنفيذ الطرف الآخر لالتزاماته بشكل حقيقي.
وقد لعبت قطر خلال الأسابيع الماضية دوراً بارزاً في العمليات المتعلقة بترتيبات الاتفاق المحتمل لإنهاء الحرب، ويبدو أن جزءاً من التزامات الطرف الأمريكي في إطار الاتفاق المحتمل لإنهاء الحرب سيتم تنفيذه بمساعدة الدوحة. وفي مثل هذه الظروف، تمت هذه الزيارة بهدف التأكد من استعداد قطر للمساعدة في المجالات المتعلقة بالالتزامات الأمريكية.
في هذا الصدد، قال مرتضى مكي، الخبير في الشؤون الدولية، في حديث مع برنا حول الدور النشط للصين وباكستان وقطر في إدارة التوترات الإقليمية: لقد شهدنا في الأسابيع الأخيرة تحركات ومفاوضات سياسية مكثفة لإدارة التوتر في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز؛ لأن الإقليمية للاعتداء الصهيوني والأمريكي على إيران وعواقب أي اضطراب في مضيق هرمز عالمياً، أثرت تقريباً على جميع دول العالم. وأضاف: تتأثر الدول بدرجة اعتمادها على الطاقة والمنتجات البتروكيماوية لدول الخليج العربي من الأزمة في هذه المنطقة، بالإضافة إلى قضية الطاقة، فقد تغيرت المعادلات السياسية والأمنية والجيوسياسية الإقليمية بشكل كبير بعد اعتداء الولايات المتحدة والنظام الصهيوني.
واستكمل مكي قائلاً: في هذه الظروف، تدخل وسيطون متعددون للعمل لإدارة الظروف أثناء حرب الـ 40 يوماً وبعد وقف إطلاق النار لمنع اندلاع النزاعات مرة أخرى، لأن العديد من الدول توصلت إلى خلاصة مفادها أن استمرار الحرب يمكن أن يؤدي إلى أضرار جسيمة لجميع دول المنطقة.
وأشار الخبير إلى دور إسلام آباد في مفاوضات إيران والولايات المتحدة قائلاً: تتمتع باكستان بمزيد من المرونة في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة نظراً لموقعها الإقليمي وعلاقاتها المتوازنة مع الولايات المتحدة وروسيا والسعودية والصين، على الرغم من أن هذه الوساطة تتم في الغالب في إطار نقل الرسائل وتقريب وجهات النظر. وأضاف مكي: في المفاوضات السابقة بين إيران والولايات المتحدة، كانت قطر تؤدي في الغالب دور رسول، وكان نادراً ما نرى تقديم وثيقة أو إطار محدد لتقريب المواقف، لكن الباكستانيين كانوا أكثر نشاطاً في هذا المجال.
وبحسب هذا الخبير، تحولت باكستان بسبب علاقاتها الواسعة والمميزة مع الصين، عملياً إلى ذراع بكين في إدارة التوترات الإقليمية، ومن منظور الصين يمكنها لعب دور فعال في تقريب وجهات النظر الإيرانية والأمريكية وحتى إعداد مسودة وإطار المفاوضات. ولا تزال الصين تلعب دوراً بحذر وتحفظ في هذه الأزمة، ولا ترغب في تحمل تكاليف ثقيلة في إدارة التوترات، لكنها تحاول تعزيز دورها الاقتصادي والسياسي والأمني في المنطقة والعالم كلاعب صامت؛ لا سيما أن الصين واحدة من أكبر مستوردي النفط في منطقة الخليج العربي وتتأثر أيضاً بالأزمات الإقليمية.
واستمر مكي في الإشارة إلى الرحلات الأخيرة للمسؤولين الإقليميين والدوليين إلى الصين قائلاً: يمكن تحليل هذه الرحلات في إطار الدور المتزايد للصين في المعادلات الإقليمية والعالمية. لقد أدى زيارة ترامب للصين وطلبه من بكين مواءمة سياساتها أكثر مع سياسات الولايات المتحدة ضد إيران، في النهاية إلى رد سلبي من الصين، وهو ما أظهر إلى أي مدى أصبحت الولايات المتحدة في مأزق في إدارة الأزمات الإقليمية؛ لدرجة أنها تطلب من منافستها الرئيسية مرافقتها للضغط على إيران.
وأضاف هذا الخبير في الشؤون الدولية: وصف العديد من المحللين الأمريكيين هذه الزيارة بأنها علامة على تقلص مكانة الولايات المتحدة أمام الصين. كما اكتسبت روسيا بعد حرب أوكرانيا علاقات خاصة وواسعة مع الصين، وأصبحت واحدة من أهم الشركاء الاقتصاديين والتجاريين وحتى العسكريين لبكين؛ وهو ما جعل محور الصين وروسيا يلعب دوراً أكثر وضوحاً في المعادلات الأمنية العالمية وزاد من التنسيق بين البلدين.
وأشار هذا الخبير في الشؤون الدولية إلى زيارة عراقجی إلى الصين قائلاً: يمكن تقييم الرحلات الأخيرة للمسؤولين الإيرانيين إلى الصين في هذا الإطار، وهو ما يظهر أن طهران تحاول، بالنظر إلى الاتجاه الإيجابي للتحركات بين إيران والولايات المتحدة واحتمال التوصل إلى اتفاق مؤقت أو تفاهم سياسي، تعزيز دور الصين في المنطقة.
وأكد مكي أن إيران تسعى إلى نقل جزء من المسؤولية والالتزامات التي يجب على الولايات المتحدة قبولها لمنع وقوع حرب جديدة إلى الصين، حتى لا تتركز جميع الضغوط على طهران. كما أن استخدام قدرات الصين وروسيا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مهم جداً لإيران، لأنها يمكن أن تشكل عائقاً أمام الإجراءات المحتملة للولايات المتحدة، وتثبت أي اتفاق أو تفاهم محتمل في إطار قرار من مجلس الأمن، بحيث لا تتمكن الولايات المتحدة بسهولة وبذرائع مختلفة من تجاوز التزاماتها أو اتخاذ إجراءات عسكرية ضد إيران مرة أخرى.
وفيما يتعلق بزيارة الوفد الإيراني إلى قطر والتكهنات بشأن تحرير الأموال الإيرانية، قال مكي: تتمتع قطر بمكانة خاصة في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط. وعلى الرغم من صغر مساحتها، فقد حاولت قطر استخدام قدراتها للحفاظ على أمنها ومكانتها الإقليمية وإبعاد التهديدات عن الدوحة، بسبب هشاشتها الجيوسياسية بالإضافة إلى امتلاكها احتياطيات غاز كبيرة.
وأضاف: استمر هذا الدور قبل الحرب وبعدها، وقد كان رد فعل القطريين أكثر حذراً تجاه الهجمات الإيرانية على القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، على عكس بعض الدول العربية.
واستكمل الخبير قائلاً: بالتزامن مع استمرار المفاوضات والمفاوضات، شهدنا حضور وفداً قطرياً في طهران؛ وفد قيل إنه تدخل بالتنسيق مع التحركات السياسية الأمريكية، على الرغم من أن التفاصيل الدقيقة لدور قطر في هذه المرحلة لم تنشر بعد، ولم تقدم إيران والولايات المتحدة موقفاً رسمياً وواضحاً بشأن ذلك.
وأوضح أن التكهنات حول تحرير جزء من الأموال الإيرانية المصادرة من خلال قطر والمؤسسات المالية القطرية قد طرحت، بل تم ذكر أرقام مثل 12 مليار دولار في وسائل الإعلام، والتي لم يتم تأكيدها بشكل كامل من قبل المسؤولين القطريين.
وأضاف مكي أنه قبل الحرب، تم مناقشة نقل حوالي 6 مليارات دولار من أموال إيران في كوريا الجنوبية إلى حسابات في قطر في مفاوضات إيران والولايات المتحدة، لكن لم يحدث شيء محدد عملياً.
وبحسبه، قد تكون هذه الأرقام أقل أو أكثر، لكن القضية الأساسية تعود إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه قطر في تنفيذ جزء من الاتفاقيات المحتملة بين إيران والولايات المتحدة. يبدو أن قطر قد وصلت إلى موقف يمكنها من إدارة آلية نقل الأموال الإيرانية المحررة، لأن إيران لم تعد مستعدة للعودة إلى الظروف السابقة للحرب وقبول التزامات لن يتم تنفيذها عملياً. وتبحث طهران عن أي إجراء والتزام جديد، متناسب مع التنفيذ العملي لالتزامات الطرف الآخر، وفي هذا الإطار يمكن للقطر أن تلعب دوراً فعالاً في تنفيذ التفاهمات المحتملة بين إيران والولايات المتحدة.
وفيما يتعلق بعدم نشر تفاصيل الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، قال مكي: لم يتم نشر تفاصيل هذه المفاوضات حالياً، وهو ما يشير إلى أن الطرفين يحاولان إجراء المحادثات في بيئة منخفضة التوتر وخارج الضغط الإعلامي. وفي مثل هذه العمليات، من الطبيعي أن يكون جزء من المحادثات سرياً، لأن أي نشر مبكر للتفاصيل يمكن أن يتأثر باللاعبين المعارضين، بما في ذلك إسرائيل وبعض تيارات الضغط في الولايات المتحدة، ويعطل عملية المفاوضات.
واستمر الخبير قائلاً: إذا تم دفع هذا العملية إلى مستوى أعلى وبحضور مسؤولين كبار مثل رئيس المجلس، فقد يكون ذلك علامة على جدية الأطراف والوسطاء في الوصول إلى إطار مشترك. وعادة ما يعني زيادة مستوى الوفود المرسلة في المفاوضات الحساسة اقتراباً من مرحلة صنع القرار والاتفاقيات الشاملة، على الرغم من أنه لا يمكن التحدث بالتأكيد بشأن النتيجة النهائية بعد.
وختم مكي مؤكداً: المبدأ هو أن مثل هذه التحركات يمكن أن تكون إشارة إيجابية لرغبة الأطراف في التوصل إلى اتفاق وخفض التوترات، ولكن يجب أيضاً الانتباه إلى أن مسار المفاوضات لا يزال معقداً ويعتمد على عوامل إقليمية ودولية متعددة.