خفايا الضغوط الأمريكية لتجريد فصائل المقاومة في العراق: بناء الدولة أم السيطرة على المقاومة؟
أفادت وكالة "برنا" للأنباء- وأوضح حسن نيا أن عملية تسليم الأسلحة، أو ما يمكن وصفه بدمج الفصائل المسلحة ضمن الدولة، بدأت من قبل بعض الجماعات، ويمكن تحليل التطورات الأخيرة على مستويين: الكلي والجزئي. على المستوى الكلي، ينبغي ربط هذه الخطوة بالتحولات بعد السابع من أكتوبر، والضغوط والانتكاسات التي تكبدتها الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى سقوط حكومة بشار الأسد.
وأشار إلى أن الأمريكيين خلصوا إلى أن في لبنان وسوريا والعراق، بدلاً من متابعة مشاريع بعنوان "ديمقراطية مصطنعة" أو السعي للسيطرة المباشرة على الهياكل الحكومية، ينبغي التركيز على بناء حكومات قوية. ومن منظور إدارة ترامب، الاستثمار في بعض الشخصيات، بما في ذلك ذوي التوجهات الإسلامية، الناشطين الاقتصاديين والتجار، يمكن أن يهيئ تشكيل حكومات متوافقة في هذه الدول.
وأضاف حسن نيا أن هذه الاستراتيجية تجسدت في لبنان من خلال دعم نواف سلام وجوزيف عون، وفي سوريا عبر التعاون مع أحمد الشرع، وفي العراق عبر دعم بعض التيارات السياسية لتشكيل حكومات قوية. وأكد أن واشنطن لا تبالي بالخلفيات الإيديولوجية لهذه الحكومات، سواء كان أحمد الشرع من التيار الإسلامي المتشدد، أو جوزيف عون جنرالاً عسكرياً، أو تاجر شيعي يسيطر على السلطة، ما يهم واشنطن هو وجود حكومات قوية ومتوافقة في هذه الدول الثلاث.
وأشار حسن نيا إلى أن الهدف الرئيس من تعزيز هذه الحكومات هو السيطرة على التحديات الداخلية، لا سيما الحد من نشاط فصائل المقاومة. لكنه أضاف أن هذا لا يعني أن هذه الحكومات ستتخذ موقفاً معادياً لإسرائيل، بل المطلوب من وجهة نظر واشنطن هو حكومة مسيطر عليها، تتجه نحو التطبيع، وتمتلك القدرة على إدارة الشؤون الداخلية.
وأوضح الخبير أن نفس النموذج طبق سابقاً في سوريا ولبنان، وأنه يجري الآن تطبيقه في العراق، حيث تم دمج الأكراد ضمن هيكل السلطة تحت قيادة أحمد الشرع، رغم أنهم كانوا من أهم حلفاء واشنطن سابقاً.
وعن الوضع الداخلي في العراق، ذكر حسن نيا أن البلاد ذات أغلبية شيعية، وتمثل الفصائل الموالية لمحور المقاومة جزءاً كبيراً من البرلمان وهيكل القوة، ومن أبرز هذه الفصائل: شبل الزيدي، قيس الخزعلي وهادي العامري. وأضاف أن النهج الحالي يفرض على هذه الفصائل إدارة جزء من الدولة ضمن إطار رسمي، مع ضبط نشاطها ومراقبته، وبعض الجماعات قبلت هذا النهج بشكل جزئي.
أما عن مقتدى الصدر، فأوضح حسن نيا أنه يختلف عن باقي الفاعلين السياسيين، حيث يبدو للعلن أنه انسحب من السياسة، لكنه لا يزال يسعى للبقاء مؤثراً ضمن التحولات السياسية. ويعمل الصدر على إيصال رسالة أنه غير مسؤول عن الوضع الحالي، وأنه لو كان في السلطة، لأحدث تغييرات أكبر.
وأشار حسن نيا إلى أن مقتدى الصدر يصف نفسه بأنه قيادة ضد الفساد، لكنه في الوقت نفسه يوجد العديد من أتباعه ضمن هيكل الدولة، ويشكلون جزءاً من النظام السياسي، ما يجعله يبدو كفاعل مستقل ومميز.
وبخصوص علاقات الصدر ببقية فصائل المقاومة، ذكر حسن نيا أن جميع الفصائل لم تكن تحت قيادته منذ البداية، ما يجعله حساساً تجاه نفوذ هذه الفصائل الأخرى، وقد شهدت السنوات الماضية مواقف متناقضة وتصرفات متقلبة من جانبه، لكنه كان من أوائل الذين أعلنوا قبولهم بتشكيل حكومة قوية واستعدادهم لتسليم أسلحتهم والعمل ضمن الدولة.
كما أشار حسن نيا إلى أن هذا ليس المرة الأولى التي يعلن فيها مقتدى الصدر عن حل الفصائل المسلحة أو إنهاء نشاطاته السياسية، فقد سبق له في السنوات الماضية إغلاق مكاتبه السياسية أو تسليم أسلحة أتباعه، لذا لا يمكن الحكم بشكل قاطع على استمرارية هذه المواقف.
وأكد حسن نيا أن التغيرات المستقبلية قد تؤدي إلى عودة الصدر لتنظيم القوات المسلحة مرة أخرى، كما حصل بعد ظهور داعش، حيث تم حل جيش المهدي ثم تأسيس "سرايا السلام".
وبالنسبة لمعارضة بعض فصائل المقاومة العراقية لعملية تسليم السلاح، أشار حسن نيا إلى أن جماعات مثل كتائب حزب الله، كتائب سيد الشهداء وحركة النجباء، بالإضافة إلى نحو ست مجموعات أخرى، رفضت هذا النهج، مؤكدة أنه قبل أي تسليم للسلاح يجب وضع استراتيجية دفاعية واضحة للعراق.
وبخصوص مشروع قانون تنظيم الحشد الشعبي، قال حسن نيا إن شخصيات بارزة مثل نوري المالكي وهادي العامري، مع قبول بعض الإصلاحات، يشددون على أن تنفيذ القانون يجب أن يكون متزامناً مع دمج الحشد في هيكل الدولة.
وأشار الخبير إلى أن مشروع القانون يثير قلقاً أمريكياً كبيراً، لأن نجاحه يعني تثبيت الحشد الشعبي في الدولة العراقية بشكل قانوني وقوي، وهو ما قد يغير معادلات الأمن الإقليمي من منظور واشنطن.
وأكد حسن نيا أن الولايات المتحدة تستخدم أدوات ضغط اقتصادي لمنع تقدم هذا المشروع، بما في ذلك التحكم في الموارد المالية وإيرادات النفط، إضافة إلى العقوبات والقيود الاقتصادية الأخرى.
وحذر حسن نيا من أن هذه العملية قد تحمل مخاطر كبيرة، حيث يمكن زيادة الضغوط على الفصائل التي ترفض تسليم السلاح، وربما تصنف بعض هذه الجماعات على قوائم الإرهاب أو تُستهدف قياداتها أمنياً وعسكرياً، مما يخلق توترات جديدة في العراق.
وأشار حسن نيا إلى علي الزيدي، واصفاً إياه بشخصية تكنوقراطية واقتصادية بالكامل، لم يشغل أي منصب سياسي سابق في العراق، ولم يكن وزيراً أو نائباً أو رئيس وزراء، بل دخل المجال العام من خلال الخبرة الاقتصادية والتجارية، ما يجعله بالنسبة لبعض الدوائر الأمريكية خياراً مناسباً لتقليص دور محور المقاومة.
وأوضح حسن نيا أن واشنطن تراهن على شخصيات اقتصادية وتقنية لتقليص تأثير المقاومة، واعتبر أن هذه السياسة جزء من جهودها لتطبيق مشاريع إقليمية تشمل عاديّة العلاقات مع إسرائيل، وجعل العراق وسوريا ولبنان أكثر اعتماداً سياسياً واقتصادياً وأمنياً على الغرب، في مسار يعيد تشكيل الدول نحو نماذج مشابهة لبعض الدول العربية، حيث يحل التعاون الاقتصادي والسياسي محل سياسات المواجهة السابقة.