محافظ سمنان بمناسبة اليوم الوطني للفهد الإيراني:

حماية الفهد الآسيوي؛ عهدٌ وطني برؤيةٍ جديدة

|
۲۰۲۵/۰۹/۰۸
|
۱۰:۱۶:۰۲
| رمز الخبر: ۴۴۹
حماية الفهد الآسيوي؛ عهدٌ وطني برؤيةٍ جديدة
برنا-القسم الثقافه و الفن: إيران هي آخر موطن للفهد الآسيوي، والحفاظ على هذا النوع النادر هو عهدٌ وطني يجب أن يشارك فيه جميع أبناء الشعب والمؤسسات.

محمد جواد کولیوند- الفهد الآسيوي ليس مجرّد نوع من الحيوانات المهددة بالانقراض، بل هو رمزٌ لارتباطنا العميق بالطبيعة، والتاريخ، ومستقبل هذه الأرض. اليوم، لم يتبقّ من هذا النوع سوى بضع عشرات في سهول إيران، التي تُعدّ آخر ملاذٍ له في العالم.

تلعب بعض المناطق في إيران دورًا حاسمًا في بقاء هذا النوع، وفي مقدّمتها محافظة سمنان ومنطقة شاهرود التي تحتل مكانة فريدة ومتميزة في هذا الشأن. تُعتبر سهول توران الواسعة من أهم المواطن الطبيعية للفهد الآسيوي، وبقاء هذا النوع النادر في إيران مرهونٌ بحماية هذه المواطن ورعايتها. إنّ المناظر الطبيعية البكر في توران لا توفر بيئة مناسبة للفهد فحسب، بل تعكس أيضًا العلاقة الوثيقة بين الإنسان والطبيعة في هذه البقعة من إيران، وحمايتها تمثل إرثًا حيًا للأجيال القادمة.

على مدى العقدين الماضيين، بُذلت جهودٌ قيّمة على المستوى الوطني لحماية الفهد. وقد بدأ «المشروع الوطني لحماية الفهد» في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين (السنوات 2000م)، واستطاع أن يسترعي انتباه المجتمع الدولي، ويحوّل مسألة الفهد الإيراني لأول مرة إلى قضية وطنية. كما أسفرت برامج الحماية في المواطن المتفرقة عن تجارب ثمينة. ومع ذلك، ينبغي أن نعترف بأنّ هذه الجهود لم تكن كافية بمفردها. هناك أسباب متعددة لهذا الإخفاق النسبي، من بينها: حوادث الطرق، والضغوط الناتجة عن الرعي والزراعة على المواطن الطبيعية، ونقص الموارد المالية، والأهم من ذلك، غياب المشاركة المجتمعية المستدامة.

لقد أثبتت التجربة أن غياب شعور السكان المحليين بالملكية والمنفعة المشتركة يؤدي إلى فشل أي مشروع حماية على المدى البعيد. وهنا تبرز الحاجة الماسّة إلى تغيير في النهج المتّبع. لم يعد ممكنًا الاعتماد فقط على المشاريع المركزية لضمان مستقبل الفهد.

ينبغي أن تتحوّل حماية الفهد إلى «عهد وطني» وفي الوقت ذاته إلى «مسؤولية محلية». ولهذا السبب، قدّمنا في محافظة سمنان مقترح «توطين اللجنة الوطنية لحماية الفهد الآسيوي». إنّ توطين هذه اللجنة يعني نقل مسؤوليات واضحة إلى المحافظات والمناطق التي تضم مواطن الفهد؛ أي أن تتولى كل محافظة مسؤوليتها في الحماية، من خلال برامج محددة، شفافة، وقابلة للتقييم.

غير أن هذا التغيير لا ينبغي أن يقتصر على الهياكل الإدارية. فحماية الفهد تتطلب أيضًا حركة اجتماعية وثقافية. يجب أن تعتبر المدارس، والجامعات، ووسائل الإعلام، والمنظمات الشعبية، بل وحتى الصناعات والمزارعين، أنفسهم جزءًا من هذا التيار. وتجارب العالم تؤكد هذه الحقيقة: لم ينجح أي مشروع حماية بدون حضور ومشاركة فاعلة من قبل الناس. فإذا تعلّم الأطفال في المدارس أن الفهد إرثٌ حيّ من وطنهم، وإذا شعر القرويون والمزارعون أن حماية الفهد ترتبط بتنميتهم المحلية، وإذا أخذت الصناعات مسؤوليتها الاجتماعية على محمل الجد، فسنتمكن من تحويل هذا العهد الوطني من مجرّد شعار إلى عمل فعلي ملموس.

كما تشكل حماية الفهد فرصةً لإعادة النظر في نموذجنا التنموي. لا يمكننا حصر التنمية في المشاريع الصناعية أو العمرانية فقط. فالتنمية المستدامة تعني الموازنة بين الاقتصاد والبيئة والثقافة المحلية. وإذا لم نستطع الوقوف في وجه خطر انقراض الفهد، فكيف يمكننا الادّعاء بأننا سنورّث للأجيال القادمة وطنًا أكثر جمالًا وثراء؟ من هذه الزاوية، فإن حماية الفهد تُعدّ معيارًا لقياس مدى التزامنا بالتنمية البيئية، واختبارًا لمسؤوليتنا تجاه المستقبل.

وإلى جانب الجهود الوطنية والمحلية، تلعب الشراكات الدولية دورًا حاسمًا أيضًا. الفهد الآسيوي نوع ذو قيمة عالمية، وإيران هي الملاذ الأخير له. إن الاستفادة من قدرات المنظمات البيئية الدولية، وتبادل الخبرات مع الدول التي حققت نجاحًا في حماية الأنواع المهددة، واستخدام الموارد الفنية والمالية العالمية، يمكن أن يعزز برامجنا الوطنية.

في اعتقادي، إن حماية الفهد الآسيوي هي اختبار يُظهر إلى أيّ مدى نجحنا في تحقيق توازن مستدام بين التنمية والطبيعة. هذه المسؤولية لا تقع على عاتق حماة البيئة فحسب، بل على عاتقنا جميعًا: الحكومة، الشعب، نشطاء المجتمع المدني، الأكاديميون، المزارعون، الصناعيون، والشباب. وحدها الوحدة الوطنية، وتفويض المسؤوليات إلى المحافظات، والتحوّل من المركزية إلى المقاربة المحلية، قادرة على أن ترسم مستقبلًا أكثر إشراقًا للفهد الآسيوي.

إننا نعقد هذا العهد معًا؛ عهدًا من أجل غدٍ أكثر خضرة، ووطنٍ أكثر ثراء، وإرثٍ أكثر قيمةً للأجيال التي ستأتي بعدنا.

رأيك
captcha