قراءة في طقسٍ عريق من الثقافة الإيرانية

سبندارمذگان؛ عيد المحبة والأرض ومكانة المرأة في إيران القديمة

|
۲۰۲۶/۰۲/۱۸
|
۱۵:۰۴:۰۲
| رمز الخبر: ۱۷۳۴
سبندارمذگان؛ عيد المحبة والأرض ومكانة المرأة في إيران القديمة
يوم 29 بهمن (17 فبراير) في التقويم الإيراني يذكّر بعيد «سبندارمذگان»؛ وهو احتفال قديم تتجلى فيه المحبة والتواضع وتكريم الأرض في منظومة واحدة. هذا الطقس، الذي تعود جذوره إلى الرؤية الكونية للإيرانيين القدماء، يعكس الترابط بين الطبيعة والأسرة والأخلاق الاجتماعية، ويتجاوز كونه مناسبة تقويمية ليعبّر عن طبقة عميقة من الهوية الثقافية الإيرانية؛ هوية ترى في المحبة قيمة أساسية لا شعوراً عابراً.

تقرير خاص بوكالة برنا ـ القسم العربي: في خضم التحولات الثقافية المتسارعة، تبقى بعض الأعياد القديمة شاهدة على عمق الذاكرة الحضارية للشعوب. «سبندارمذگان» واحد من تلك الطقوس التي تحمل في طياتها مزيجاً من الروحانية والقيم الاجتماعية والارتباط بالطبيعة. إنه عيد لا يستحضر الماضي بوصفه ذكرى فحسب، بل يعيد طرح مفاهيم المحبة والاحترام والمسؤولية الإنسانية في سياق معاصر.

ما هو سبندارمذگان ومن أين جاء؟

اشتُق اسم «سبندارمذگان» من «سبندارمذ» أو «أسبندارمذ»، أحد «الأمشاسپندان» في الديانة الزرادشتية، والذي يُعرف في الأفستا باسم «سبنتا آرمَیتی»، ويُعد رمزاً للأرض والصبر والتواضع والمحبة الخالصة. وفي الرؤية الكونية لإيران القديمة، كان الأمشاسپندان تجلياتٍ لصفات إلهية، يمثّل كلٌّ منها مفهوماً أخلاقياً ووجودياً. وكان سبندارمذ يجسّد الصبر والمودة غير المشروطة؛ وهي الصفات ذاتها التي نُسبت إلى الأرض.

في اعتقاد الإيرانيين القدماء، لم تكن الأرض مجرد موطن للعيش، بل كائناً مقدساً جديراً بالاحترام؛ أماً تحتضن الجميع بلا تمييز وتغمرهم برعايتها. لذلك لم يكن سبندارمذگان مجرد عيد تقويمي، بل طقساً رمزياً لتكريم التواضع والمحبة والخصب. وكان الاحتفاء بهذا اليوم تأكيداً على القيم التي اعتبرها المجتمع الإيراني أساساً للأخلاق والحياة المشتركة.

في بنية التقويم الإيراني القديم، كان لكل يوم من أيام الشهر اسم مستقل، وعندما يتطابق اسم اليوم مع اسم الشهر، كان ذلك اليوم يُحتفل به عيداً. وقد كان سبندارمذگان يُقام في يوم «سبندارمذ» من شهر «أسفند»؛ وهو شهر يرتبط بدوره بمفهوم الأرض والخصوبة. وقد أضفى هذا التزامن بُعداً رمزياً إضافياً على العيد، وحوّله إلى مناسبة لتمجيد الأرض والمرأة وقيمة المحبة.

وعليه، يمكن اعتبار سبندارمذگان أحد أقدم الطقوس الإيرانية التي تلتقي فيها الطبيعة والأخلاق والعلاقات الإنسانية في إطار احتفالي واحد؛ عيدٌ تضرب جذوره في أعماق التاريخ، وما زال يحمل جزءاً من الذاكرة الثقافية للإيرانيين.

سبندارمذگان؛ عيد المحبة والأرض ومكانة المرأة في إيران القديمة

عيد الحب الإيراني؛ أبعد من مناسبة عاطفية

خلافاً للتصور الشائع الذي يقدّم سبندارمذگان بوصفه النظير الإيراني لـ«عيد الحب»، فإن هذا الاحتفال في معناه التاريخي كان أوسع بكثير. فلم يكن مقتصراً على العلاقة العاطفية بين شخصين، بل كان يعكس مفهوماً اجتماعياً وأخلاقياً يؤكد على المودة داخل الأسرة، واحترام المرأة، والامتنان للأرض بوصفها رمز الحياة.

في الثقافة الإيرانية القديمة، لم تكن المحبة شعوراً فردياً فحسب، بل قيمة جماعية أساسية؛ قوةً تحفظ تماسك الأسرة وتوازن المجتمع. ومن هنا كان سبندارمذگان مناسبة لتجديد الروابط العاطفية داخل الأسرة، ولتعزيز الاحترام المتبادل بين المرأة والرجل.

وتشير بعض المصادر التاريخية والدراسات المتعلقة بالطقوس الإيرانية القديمة إلى أن الرجال كانوا يقدّمون الهدايا لزوجاتهم في هذا اليوم، وأن النساء كنّ يحظين بتكريم خاص. ويعكس هذا السلوك الرمزي مكانة المرأة بوصفها عمود الأسرة ومظهراً للمودة والصبر. ويُظهر هذا التصور أن المرأة في التقليد الإيراني لم تكن تُختزل في أدوار اجتماعية محددة، بل كانت تحمل قيمة أخلاقية وروحية تستحق الاحترام.

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى سبندارمذگان باعتباره طقساً تُطرح فيه المحبة لا كمناسبة، بل كفضيلة؛ فضيلة ترتبط بالاحترام والمسؤولية والامتنان. وهذه السعة في المعنى هي ما يميز هذا العيد عن الأطر الحديثة والتجارية للمناسبات المشابهة، ويمنحه عمقاً ثقافياً خاصاً.

الارتباط بالطبيعة ومفهوم الأرض

لم يكن سبندارمذگان عيداً للمحبة الإنسانية فحسب، بل كان أيضاً تكريماً للأرض. ففي الفكر الإيراني القديم، كانت الأرض كياناً صامتاً لكنه حيّ؛ رمزاً للتواضع والصبر والعطاء غير المشروط. وكما تحتضن الأرض الجميع بلا تمييز وتمنحهم الحياة، كان على الإنسان أن يجسّد في سلوكه وأخلاقه شيئاً من هذا التواضع والمودة.

هذا التصور جعل سبندارمذگان أكثر من طقس رمزي، إذ تحوّل إلى تذكير بمسؤولية الإنسان تجاه الطبيعة. وتشير بعض الروايات إلى أن العناية بالنظافة، وإعمار الأرض، وتجنب الإضرار بها، كانت جزءاً من الرسالة الأخلاقية لهذا اليوم. وكان تكريم الأرض في هذا العيد يعني في جوهره تكريم الحياة واستمراريتها.

وفي الثقافة الإيرانية، لم تكن الأرض مجرد موطن للعيش، بل عنصراً مقدساً يرتبط بالخصوبة والولادة والاستمرارية. ومن هنا جاء تزامن الاحتفال مع شهر «أسفند»، الذي يوافق نهاية الشتاء واستعداد الطبيعة للانبثاق من جديد؛ وكأن سبندارمذگان يمهّد لولادة الربيع.

وبهذا المعنى، يمكن اعتبار سبندارمذگان من أوائل الطقوس التي صوّرت علاقة الإنسان بالطبيعة في إطار احتفالي رمزي؛ عيد يذكّر بأن المحبة لا تقتصر على الإنسان وحده، بل تشمل الأرض والنظام البيئي بأسره.

سبندارمذگان؛ عيد المحبة والأرض ومكانة المرأة في إيران القديمة

سبندارمذگان في إيران اليوم

في السنوات الأخيرة، شهدت إيران اهتماماً متزايداً بالطقوس القديمة، وعاد سبندارمذگان ليحظى بحضور بين مختلف الأجيال. ويعكس هذا الاهتمام رغبة المجتمع في إعادة اكتشاف جذوره الثقافية والتاريخية، وإحياء الصلة بالتقاليد الراسخة في الذاكرة الجماعية.

اليوم، لم يعد سبندارمذگان طقساً رسمياً بقدر ما أصبح مناسبة ثقافية للتأكيد على قيم المحبة والاحترام المتبادل والإنسانية في إطار محلي. وتحيي كثير من الأسر والشباب هذا اليوم عبر تبادل الهدايا الرمزية، أو تنظيم لقاءات عائلية صغيرة، أو استحضار معانيه الثقافية. ويُظهر هذا الإحياء أن الطقوس القديمة قادرة على اكتساب معانٍ جديدة في سياقات حديثة.

وفي الوقت ذاته، يُقدَّم سبندارمذگان أحياناً بوصفه «عيد الحب الإيراني»؛ وهي تسمية قد تنطوي على تبسيط تاريخي، لكنها ساهمت عملياً في إعادة إحياء اسمه ورسالته. فالمهم ليس الشكل الظاهري للاحتفال، بل استمرار مضمونه.

وعلى الرغم من اختلاف طرق الاحتفاء بين الماضي والحاضر، فإن جوهر العيد ما يزال قائماً: تكريم المحبة، واحترام مكانة المرأة، والتذكير بمسؤولية الإنسان تجاه الأرض. وربما كانت هذه القدرة على التكيّف مع الزمن هي ما جعلت سبندارمذگان ينتقل من طقس تاريخي إلى عيد حيّ في الثقافة الإيرانية المعاصرة.

لماذا يحظى سبندارمذگان بهذه الأهمية؟

في عالم تُعرَّف فيه كثير من المناسبات الثقافية ضمن أطر عالمية أو مستوردة، يذكّر سبندارمذگان بعمق الجذور المستقلة للثقافة الإيرانية. فهو يبرهن أن مفاهيم المحبة والاحترام المتبادل وتكريم الطبيعة لها في التقليد الإيراني تاريخ يمتد لآلاف السنين، وليست مجرد نتاج للثقافة الحديثة.

ولا تكمن أهمية سبندارمذگان في قِدمه فحسب، بل في نوع الرؤية التي يقدمها للإنسان والعالم من حوله. ففي هذا الطقس، تتجاوز المحبة إطار العلاقة الفردية لتصبح فضيلة اجتماعية؛ الأرض رمز للتواضع، والمرأة تجسيد للمودة والصبر، والإنسان كائن يتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه الطبيعة — وكلها عناصر تتكامل ضمن منظومة واحدة.

إن إعادة قراءة مثل هذه الطقوس ليست مجرد إحياء لعيد تقويمي، بل هي محاولة لاستعادة جانب من الهوية التاريخية والثقافية لإيران. وفي هذا المنظور، يصبح العيد جسراً بين الماضي والحاضر، ووسيلة لفهم القيم الثقافية في سياقها المعاصر.

ومن هنا، يمكن اعتبار سبندارمذگان نموذجاً للاستمرارية الثقافية؛ عيداً حافظ على رسالته رغم تغيّر أشكاله، وما زال قادراً على إلهام الحوار حول المحبة والاحترام والمسؤولية الإنسانية.

رأيك