رمضان؛ طقس مشترك بين جميع المسلمين، بعيداً عن الحدود والمذاهب
تقرير خاص بوكالة برنا ـ القسم العربي:
مع حلول شهر رمضان المبارك، تتغيّر ملامح الحياة في أنحاء العالم الإسلامي. تتبدّل ساعات العمل، وتكتسب الشوارع قبيل الإفطار أجواء مختلفة، وتبقى الليالي حيّة حتى السَّحر. غير أن ما يمنح هذه التحولات الظاهرية معناها هو تجربة أعمق وأكثر اشتراكاً: دخول ملايين الناس، في جغرافيات متعددة، في وقت واحد، في تمرين على الصبر وضبط النفس والعبادة والعودة إلى الذات. وبهذا المعنى، فإن رمضان ليس مجرد شهر، بل «طقس حضاري مشترك».
رمضان؛ عبادة مشتركة، هوية واحدة
رمضان أحد الأركان الخمسة في الإسلام، وفريضة الصيام مشتركة بين جميع المسلمين ــ عرباً وغير عرب، شيعةً وسنّة. الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى الغروب، وإقامة الصلاة، وتلاوة القرآن، وزيادة الصدقات، كلها تشكّل نمطاً واحداً من الحياة الروحية لملايين البشر في مختلف أنحاء العالم.
هذا التزامن في العبادة يخلق تجربة جماعية؛ تجربة تتراجع فيها الفوارق ويبرز فيها الشعور بالانتماء إلى أمة واحدة. يتحوّل رمضان، بهذا المعنى، إلى زمن مشترك يفكر فيه الملايين في مقصد روحي واحد.
القراءة القرآنية، وصلاة الجماعة، وليالي الإحياء، وزيادة الأعمال الصالحة، كلها مشتركة بين المسلمين. وحتى إن وُجدت اختلافات في التفاصيل الفقهية، فإن الاتجاه الروحي العام واحد. رمضان، بهذا المعنى، شهر يُجسّد الهوية الإسلامية في صورتها الحية والملموسة، ويُظهر أن الأسس المشتركة أعمق بكثير من الاختلافات الظاهرة.
أبعد من الاختلافات المذهبية
العالم الإسلامي متنوع فقهياً وثقافياً وتاريخياً، غير أن رمضان يُعدّ من أوضح نقاط الاشتراك في هذا التنوع. قد توجد اختلافات في بعض الجزئيات، إلا أن أصل الصيام، والدعاء، وتلاوة القرآن، وليالي العبادة، مشتركة بين الجميع.
في هذا الشهر، تمتلئ المساجد في مختلف البلدان بالمصلين، وتجتمع العائلات حول موائد الإفطار، ويكتسب الفضاء العام طابعاً روحياً. تتراجع الاختلافات إلى الخلف، ويبرز الهدف المشترك المتمثل في التقرب إلى الله وطلب الرحمة والمغفرة.
يرى كثير من المفكرين أن رمضان يوفّر فرصة لتقليل التوترات وزيادة مساحات التفاهم. فالصيام تجربة مشتركة تُشعر الإنسان بحدوده وحاجته، وهو ما يفتح المجال لتعزيز التعاطف والتقارب.
في هذا السياق، يمكن اعتبار رمضان أحد العناصر الجامعة في العالم الإسلامي؛ طقساً يُظهر أن الاشتراك في الإيمان والقيم الأخلاقية هو الأساس في تشكيل الهوية الإسلامية.
رمضان؛ طقس اجتماعي على نطاق عالمي
رمضان ليس عبادة فردية فحسب، بل ظاهرة اجتماعية تغيّر بنية الحياة اليومية. في هذا الشهر، تزداد الأنشطة الخيرية، وتنتشر موائد الإفطار الجماعي، ويتعزز التكافل الاجتماعي، وتقوى الروابط الأسرية.
في البلدان العربية وغير العربية، في المجتمعات ذات الأغلبية الشيعية أو السنية، تختلف التقاليد المحلية، لكن الإطار العام واحد. هذا التنوع داخل الوحدة يمنح رمضان بُعداً حضارياً؛ إذ يعكس قدرة الإسلام على احتضان ثقافات متعددة ضمن منظومة قيم مشتركة.
حتى في المجتمعات التي يشكّل المسلمون فيها أقليات، يتحول رمضان إلى عامل لتعزيز التماسك الداخلي، وإحياء الشعور بالانتماء إلى الأمة الإسلامية.
العودة إلى الداخل؛ الرسالة العميقة لرمضان
بعيداً عن المظاهر الخارجية، فإن رمضان في جوهره شهر تهذيب النفس. الصيام تدريب على الصبر وضبط الإرادة. يواجه الإنسان الجوع والعطش، فتتعمق لديه مشاعر التعاطف مع المحتاجين.
في هذا الشهر، يقوى الارتباط بالقرآن، وتمنح ليالي القدر لحظات للتأمل والدعاء. إنه وقت لإعادة النظر في السلوك الفردي، وإصلاح العلاقات الإنسانية، وتجديد الصلة بالله.
رمضان أيضاً زمن لتخفيف سرعة الحياة اليومية والتركيز على الأولويات الحقيقية. يسعى كثير من المسلمين خلاله إلى الابتعاد عن بعض العادات السلبية وبناء أساس أخلاقي جديد لبقية العام.
في عالم تسوده السرعة والنزعة الاستهلاكية، يذكّر رمضان بقيم الصبر والقناعة والتعاطف. وهذه الرسالة الداخلية هي ما يجعل الشهر تجربة عميقة ومشتركة بين جميع المسلمين.
رمضان الذي يذكّر بالوحدة كل عام
في وقت يشهد فيه العالم الإسلامي تحديات سياسية واجتماعية متعددة، يأتي رمضان كل عام ليذكّر بأن الأسس المشتركة ما تزال قائمة. ملايين المسلمين يتوجهون في لحظة واحدة إلى قبلة واحدة، ويرفعون دعاءً واحداً.
الصيام، والقرآن، والصلاة، والصدقة، مفردات مشتركة مفهومة في كل المجتمعات الإسلامية. هذا الاشتراك العملي يُظهر صورة حقيقية للوحدة.
لذلك، لا يُعدّ رمضان مجرد شهر في التقويم الهجري، بل طقساً يتجدد فيه معنى الوحدة في الإيمان والتضامن في العمل. شهر يُظهر أن الإسلام، رغم تنوعه الثقافي والمذهبي، قائم في جوهره على قيم جامعة ومشتركة.
تتقدم وكالة برنا عربي بأصدق التهاني وأطيب التبريكات إلى جميع المسلمين في أنحاء العالم، بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك. نسأل الله أن يجعله شهراً مفعماً بالرحمة والمغفرة والبركة، وأن يعيده على الأمة الإسلامية بالأمن والسلام والوحدة، وأن يتقبل الصيام والقيام وصالح الأعمال.