الفاتيكان: محطة جديدة لخفاقات البيت الأبيض
وأفادت وكالة "برنا" للأنباء، أن أصدرت الفاتيكان بياناً قصيراً ومحسوباً بعد لقاء دام 45 دقيقة جمع البابا ليو الرابع عشر بماركو روبيو في روما، ذكر فيه الالتزام المشترك بتعزيز العلاقات الثنائية. ومع ذلك، وعلى عكس الدبلوماسية المعتادة للفاتيكان، لم يظهر البيان أي رضاً عن مستوى العلاقات أو اتفاق سياسي محدد بين الطرفين. وقد فسّر الدبلوماسيون والمحللون هذا الحذر على أنه اعتراف غير مباشر بالتوترات العميقة بين الكرسي المقدس وحكومة دونالد ترامب.
أعلنت الفاتيكان في بيانها أن البابا ووزير الخارجية الأمريكي تبادلَا الآراء حول الوضع العالمي والدول التي تواجه الحرب والتوتر السياسي والأزمات الإنسانية، مؤكدين على ضرورة العمل الدؤوب من أجل السلام.
ورد ذكر إيران ولبنان ضمن محاور الحوار في النص الذي نشرته الفاتيكان. ويظهر هذا البيان العام أن لقاء روبيو، على عكس جهود واشنطن لعرض علاقات طبيعية وقوية مع الفاتيكان، لم يفضِ إلى نتيجة تتجاوز تكرار الموقف الأخلاقي والدبلوماسي للكرسي المقدس بشأن السلام.
يعتقد المحللون أن الفاتيكان أظهرت عملياً من خلال اختيارها لهذا اللسان الحذر وجود فجوة جادة بين الطرفين لم تستطع رحلة روبيو سدها. فقد ذكر بيتر مارتن، الدبلوماسي السابق للسفارة الأمريكية لدى الكرسي المقدس، أن نص بيان الفاتيكان يشير إلى أن علاقات واشنطن مع الفاتيكان ليست في وضع طبيعي. أما أوستن آيفري، الخبير في شؤون الفاتيكان، فيرى أن التركيز في البيان على ضرورة تعزيز العلاقات الثنائية هو بحد ذاته دليل على البرودة والمسافة الموجودة بين الطرفين.
يكتسي هذا الأمر أهمية كبيرة لأن الفاتيكان عادةً ما تتحدث في بياناتها الرسمية بعد لقاءات مع مسؤولين أجانب عن علاقات جيدة أو رضا عن العلاقات الثنائية. ويقول المراقبون إنه في لقاء البابا في نفس اليوم مع دونالد توسك، رئيس وزراء بولندا، تحدثت الفاتيكان عن علاقات جيدة بين الطرفين، بينما لم تُستخدم مثل هذه العبارات في بيان لقاء روبيو. وهذا الاختلاف في المفردات، وفقاً للمراقبين، يحمل دلالات في دبلوماسية الفاتيكان، حيث إن استخدام كل كلمة في هذه المؤسسة الدبلوماسية يكون مدروساً بعناية.
جاء لقاء روبيو مع البابا ليو الرابع عشر في ظل توتر شديد في علاقات واشنطن والفاتيكان بسبب الهجمات اللفظية المتكررة من دونالد ترامب ضد قائد الكاثوليك في العالم. فقد استهدف ترامب البابا مراراً وتكراراً في الأسابيع الأخيرة بانتقاده الحرب ضد إيران، وحاول تأويل موقفه المعادي للحرب على أنه دعم للبرنامج النووي الإيراني؛ في حين تؤكد الفاتيكان أن موقف البابا هو امتداد لتعاليم الكنيسة الكاثوليكية الراسخة في معارضة الحرب وذبح المدنيين. ومن هذا المنظور، لا يمكن اعتبار زيارة روبيو إلى الفاتيكان مؤشراً على تغيير موقف البابا، بل يجب تقييمها كمحاولة من حكومة ترامب لإدارة التكلفة السياسية للتوتر مع أحد أهم المراجع الأخلاقية في العالم المسيحي.
كتبت صحيفة «الغارديان» في تقرير أن روبيو، وهو كاثوليكي بنفسه، حاول خلال زيارة مدتها يومان إلى إيطاليا والفاتيكان إصلاح العلاقات المتضررة بين واشنطن والكرسي المقدس. ومع ذلك، فإن الإشارات الصادرة عن اللقاء تشير إلى أن الفاتيكان لم توافق على إخلاف خلافاتها مع البيت الأبيض بشأن الحرب والسلام والقضايا الإنسانية خلف غطاء دبلوماسي، أكثر مما يشير إلى مصالحة أو اتفاق جديد.
يُلاحظ أيضاً اختلاف في السرد بين أمريكا والفاتيكان حول اللقاء. فقد أعلنت السفارة الأمريكية لدى الكرسي المقدس بعد اللقاء أن البابا وروبيو ناقشا القضايا المشتركة المثيرة للاهتمام في نصف الكرة الغربي، وأكد روبيو في رسالة على «الشراكة القوية» بين واشنطن والفاتيكان في مجال الحرية الدينية. أما بيان الفاتيكان فلم يذكر نصف الكرة الغربي ولم يجعل الحرية الدينية محوراً رئيسياً للقاء. ويشير هذا الاختلاف السردي إلى أن واشنطن سعت إلى عرض علاقات طبيعية، بينما فضلت الفاتيكان استخدام لغة أكثر برودة وضيقة لتجنب المبالغة في نتائج اللقاء.
الفاتيكان تحذر من صناعة الرواية الأمريكية
يشير المحللون أيضاً إلى نقطة مهمة مفادها أن الفاتيكان عادةً لا تعكس محتوى اللقاء المباشر للبابا مع المسؤولين السياسيين بتفاصيل، بل تقصر تقارير الحوار على لقاءات الضيف مع الدبلوماسيين الكبار في الفاتيكان. لكن نشر تفاصيل لقاء روبيو مع البابا حدث على الأرجح بسبب الاهتمام الإعلامي الواسع ولتجنب صناعة الرواية من قبل البيت الأبيض.
وتُظهر هذه المسألة، نظراً لسجل الهجمات اللفظية لترامب ضد البابا، أن الكرسي المقدس حساس تجاه الاستيلاء السياسي على اللقاء من قبل واشنطن.
تكتسي هذه الاستراتيجية أهمية أكبر عندما نعلم أن سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الفاتيكان بذلت جهوداً واسعة للتوعية لدى مسؤولي هذه المؤسسة الدينية خلال الحرب المفروضة الأخيرة. وأكد الدكتور محمد حسين مختاري، سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى الفاتيكان، في حديث مع وكالة «إرنا» أن البابا ومسؤولي الفاتيكان كانوا على علم بجرائم أمريكا في إيران وعواقبها الإنسانية لهذه الحرب. وهذا يدل على أن الجهاز الدبلوماسي الإيراني نقل الرواية الإنسانية والحقيقية للحرب مباشرة إلى أحد أهم المراكز الدينية والأخلاقية في العالم.
ومن هذا المنظور، لم يدخل البابا ليو الرابع عشر في حوار مع روبيو بعقل فارغ وفي إطار الشكليات الدبلوماسية فحسب. بل إنه، وفقاً لرواية الدكتور مختاري، رأى صور الشهداء من الحرب المفروضة، بما في ذلك الطلاب الأبرياء في ميناب، واطلع على مراسلات عائلات الشهداء وتأثر بها. وهذا يفسر لماذا ركز بيان الفاتيكان، بدلاً من الانسجام مع الرواية السياسية الأمريكية، على السلام والأزمات الإنسانية وضرورة تهدئة التوترات.
كانت زيارة روبيو مهمة ذات دلالة رمزية لحكومة ترامب أيضاً. فقد كان الرئيس الأمريكي، الذي واجه انتقادات متزايدة في أوروبا والمؤسسات الدينية وحتى جزء من المجتمع المسيحي بعد الحرب ضد إيران، بحاجة إلى إظهار أن الفجوة مع الفاتيكان قابلة للإدارة. لكن النتائج العملية للزيارة، على الأقل وفقاً للبيان الرسمي للفاتيكان واستخلاص وسائل الإعلام الغربية، لم تقدم هذه الصورة. فلم يغير البابا موقفه، ولم تستخدم الفاتيكان لغة الإشباع، ولم تستطع واشنطن تقديم اللقاء كنقطة تحول في إصلاح العلاقات.
في الواقع، لم يكن أهم رسالة لهذا اللقاء في الابتسامات الدبلوماسية وتبادل الهدايا، بل في الصمت والكلمات المحذوفة من بيان الفاتيكان. وعندما يتحدث الكرسي المقدس عن تعزيز العلاقات بدلاً من التعبير عن الرضا عنها، فهذا يعني أن خلافات جادة لا تزال قائمة وراء الكواليس. وهذا الخلاف ليس شخصياً أو لفظياً فحسب، بل يعود إلى نظرتين مختلفتين للحرب والسلام والهجرة وحقوق الإنسان ودور الدين في مواجهة السلطة السياسية.
لذلك، يجب تقييم لقاء روبيو والبابا ليس كحدث لإصلاح الفجوة، بل كمحاولة من واشنطن لاحتواء العواقب السياسية والأخلاقية للحرب ضد إيران. أظهر بيان الفاتيكان أن الكرسي المقدس لن ينحاز عن موقفه بشأن ضرورة السلام أو يجعل التوتر مع البيت الأبيض يبدو وكأنه انتهى بمجرد لقاء دبلوماسي. تمت الزيارة وأجري الحوار، لكن الفاتيكان لم تتراجع عن موقفها، وظلت الفجوة مع واشنطن بشأن الحرب ضد إيران قائمة.