سيريك.. حين حوّلت نار الحرب فرح العرس إلى مأتم

|
۲۰۲۶/۰۹/۰۳
|
۱۱:۳۵:۰۲
| رمز الخبر: ۳۰۶۷
سیریک
مساء الثلاثاء، كان حفل زفاف جارياً في ميناء كوهستك بمدينة سيريك؛ وبين أصوات الفرح والزغاريد، كان الأطفال يلعبون والحياة تمضي داخل منزل سكني، قبل أن تهبط نار الحرب فجأة على هذه الفرحة، ما أدى إلى استشهاد أربعة أشخاص. وكان أمير علي، الطفل البالغ من العمر أربعة أعوام، أحد أصغر ضيوف هذا العرس، وهو طفل بات اسمه اليوم مسجلاً بين شهداء الحرب.

وأفادت وكالة برنا للأنباء، أن بعض الأسماء تبقى إلى الأبد في زاوية من قلوب أبناء هذه الأرض؛ مثل كوهستك في مدينة سيريك بمحافظة هرمزغان، ومثل ميناب ومدرسة «شجرة طيبة»، ومثل أسماء الأطفال الذين حرمتهم الحرب فرصة مواصلة الحياة.

هذه الأسماء لم تعد مجرد نقاط جغرافية أو أحداث إخبارية، بل أصبحت علامات واضحة على أيام مظلمة استُهدفت خلالها حياة الناس جراء الهجمات على المناطق المدنية.

تُعرَّف الحرب على الورق وفي الخرائط بأنها استهداف للمراكز العسكرية، لكن عندما تصل الصواريخ إلى المنازل والمدارس والشوارع، فإن ما يحترق في النيران هو حياة بشر يُدفنون تحت أنقاض الحرب.

وكوهستك واحدة من هذه الأسماء؛ مكان اجتمع فيه الناس في حفل زفاف للاحتفال ببداية حياة جديدة، لكن أصوات الفرح تحولت فجأة إلى دوي انفجارات، وتحول حفل الزفاف إلى مجلس عزاء.

كان أمير علي كريمي يبلغ من العمر أربعة أعوام فقط، طفلاً حضر الحفل بفرح وحماس، ولم يكن يدرك ما ينتظره. لم تكن الحرب بالنسبة لأمير علي مفهوماً سياسياً، ولا خريطة عسكرية، ولا حتى خبراً في التلفزيون؛ بل كانت صاروخاً سقط بلا رحمة على حفل زفاف وسلب منه فرصة أن يكبر. وكان ذلك آخر احتفال يشارك فيه.

سیریک

أمير علي كريمي، الشهيد البالغ من العمر أربعة أعوام من سيريك

وكان محمد ملاحي، الفتى البالغ من العمر 16 عاماً والذي كان لا يزال أمامه جزء كبير من حياته، وكلثوم ملاحي نژندنیا، وزرخاتون طاهري، أيضاً بين شهداء هذا الهجوم؛ أربعة أسماء، وأربع حيوات، وأربع عائلات عادت من ليلة فرح وهي تحمل حزناً ثقيلاً.

وإضافة إلى ذلك، أُصيب نحو 70 شخصاً في هذا الهجوم الصاروخي الأمريكي. وبالنسبة إلى كثير منهم، لم تنته الحرب أبداً؛ فالجراح التي يحملونها على أجسادهم ستتحول إلى ذكرى في أذهانهم وحسرة في قلوبهم، ولن تزول صدمة الحرب أبداً من نفوسهم الجريحة.

وإذا وضعنا كوهستك إلى جانب ميناب، تتشكل صورة أكثر مرارة؛ مدرسة «شجرة طيبة» والأطفال الذين أصبحوا ضحايا للحرب. هنا لم يعد الحديث عن حادثة واحدة، بل عن مدنيين أصبحوا ضحايا للحرب في أماكن يفترض أن تكون آمنة؛ المدرسة، والمنزل، وحتى حفل الزفاف.

قد يكون من الممكن الحديث لساعات عن أهداف الحرب وضرورة العمليات والمراكز العسكرية، لكن عندما يصبح اسم طفل يبلغ أربعة أعوام ضمن قائمة الشهداء، تبرز حقيقة بسيطة، وهي أن المدنيين لا ينبغي أن يدفعوا ثمن الحرب.

وبالنسبة إلينا في بروجرد، لا تمثل هذه الرواية مجرد خبر عن مدينة بعيدة في جنوب البلاد، لأن بروجرد نفسها شهدت خلال الأشهر الماضية وضعاً مشابهاً، عندما أدى هجوم على منطقة سكنية إلى فجيعة أسرة واستشهاد الطالبة حسنا فولادوند وعدد من المدنيين الآخرين.

ومع كل مرور إلى جانب اللافتة في الشارع، يتوقف المرء للحظة أمام صورة كبيرة تتحرك مع الريح، تحمل وجوه أسرة استشهد أفرادها في قصف منطقة «كمبينغ» في بروجرد خلال أبريل/نيسان من هذا العام.

لكن خلف هذه الوجوه الصامتة تجري قصة أخرى؛ قصة صبي وجد نفسه فجأة في قلب حرب مدمرة، وفقد على إثرها والده ووالدته وشقيقته، ولم يبقَ له من أسرته سوى ذكريات الأصوات والوجوه.

اسم هذا الطفل ووجهه ليسا داخل إطار اللافتة، لكن ربما لا توجد صورة قادرة على رواية عمق وحدته؛ طفل فقد في لحظة واحدة صوت أمه، وظل أبيه، وضحكة أخته، وأصبح الناجي الوحيد من أسرة أخذتها الحرب منه.

وتكمن مرارة المأساة في أن قصة بروجرد نفسها تمتد على الخط ذاته الذي يبدأ من ميناب إلى سيريك ومنها إلى مناطق سكنية أخرى؛ خط يضيف، أينما وصل إلى حياة المدنيين، اسم طفل أو أسرة إلى قائمة الشهداء.

من مدرسة «شجرة طيبة» في ميناب إلى حفل زفاف كوهستك، ومن المنطقة السكنية في طهران إلى منطقة كمبينغ في بروجرد؛ تختلف الأماكن، لكن الألم واحد؛ أناس لم يكن يفترض أن يصبحوا ضحايا للحرب داخل منازلهم أو مدارسهم أو شوارعهم أو مناسبات فرحهم.

هناك جراح لا تلتئم أبداً، وهناك أيضاً أسماء من هذا القبيل؛ كوهستك، وميناب، وشجرة طيبة، وحي آبشار في خرم آباد، وكمبينغ بروجرد، والصالة الرياضية في لامرد. أسماء لا نسمع عند تكرارها صوت الانفجار من جديد، بل صوت حيوات لم تكتمل.

ومن قلب رواية كوهستك ينهض سؤال قانوني لا ينبغي الإجابة عنه بانفعال عاطفي، بل بدقة تحقيقية باردة: إذا كان مكان حفل الزفاف منزلاً سكنياً يضم مدنيين، فكيف يمكن تبرير هذا الهجوم؟ أليست المنازل والمدارس ومجالس الاحتفال، وفق القانون الدولي الإنساني، من أبرز مصاديق «الأعيان المدنية»؟ وألا يحظر مبدأ التمييز استهداف مثل هذه الأماكن إلا في ظروف استثنائية، عند وجود هدف عسكري محدد ومع تحقق التناسب الكامل؟

وقد نقل الهلال الأحمر الإيراني هذا السؤال من المجال السياسي إلى المجال القانوني عبر إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية: هل كان هناك «هدف عسكري» داخل حفل زفاف كوهستك؟ وهل كان السلاح المستخدم متناسباً مع طبيعة المنطقة السكنية؟

وهل تم التغاضي عن الخسائر المتوقعة بين المدنيين؟ هذه أسئلة ترسم الإجابة عنها الحد الفاصل بين «العملية العسكرية» و«جريمة الحرب».

ومع ذلك، وقبل أي محكمة، تحدثت الحادثة بلغة المأساة؛ طفل في الرابعة من عمره يدعى أمير علي، وفتى يدعى محمد، ونساء بملابس الزفاف، وضيوف، تحولوا في لحظة كان يفترض أن تكون رمزاً للحياة إلى رموز لموت مظلوم؛ موت مظلوم في قلب ليلة مضطربة خرجت من رحم عدوان عسكري واضح، ومن غض الطرف عن آلام ومعاناة بشر أبرياء أصبحوا الضحايا الصامتين لحرب مفروضة.

وإضافة إلى شهداء سيريك، يحمل نحو 70 مصاباً جراحاً من تلك الليلة، جراحاً لا تلتئم ولا تجد مكاناً لها في المخططات العسكرية.

والحقيقة أنه مهما ازدادت الخرائط العسكرية تعقيداً والمصطلحات العملياتية دقة، يبقى خط أحمر بسيطاً لا يمكن إنكاره؛ المدنيون، ولا سيما النساء والأطفال، ليسوا أبداً جزءاً من معادلة الحرب.

وعندما يصل الصاروخ إلى حفل زفاف أو مدرسة أو منزل، فإن الحديث عن «الهدف» و«الدقة» لا يكون غير مقنع فحسب، بل يتحول إلى أداة لإخفاء الحقيقة وتحريفها؛ لأن الحرب تكون قد تجاوزت حدودها وتحولت إلى جريمة ضد الحياة اليومية.

ويجب البحث عن الجواب القانوني لهذه الأسئلة في المحاكم، أما الجواب الإنساني فقد قُدّم منذ الليلة الأولى؛ في الصفوف الخالية في ميناب، وفي المنزل المحترق بمنطقة كمبينغ، وبين أنقاض كوهستك. هناك، حيث لم يعد طفل في الرابعة من عمره يتنفس، لا يستطيع أي جواب قانوني أن يخفف الألم، لكنه يستطيع أن يسجل اسماً في التاريخ ويمنع الصمت أمام جريمة مروعة.

ومن هذا المنظور، لم يعد اسم كوهستك مجرد نقطة جغرافية، بل أصبح تحذيراً من تجاوز خط أحمر إذا جرى تجاهله، تحولت الحرب إلى جريمة تاريخية.

ووفقاً للتقارير الرسمية المنشورة، أدى هذا الهجوم حتى الآن إلى استشهاد خمسة أشخاص، بينهم طفل صغير واحد على الأقل، وإصابة 68 شخصاً، فيما تشير التقارير المنشورة إلى أن النساء والأطفال يشكلون نسبة ملحوظة من المصابين.

وفي رد على هذا الهجوم، أدانت هيئة حقوق الإنسان في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في بيان، بشدة استهداف المنزل السكني الذي كان يستضيف حفل الزفاف في ميناء كوهستك، مؤكدة أن ما وقع في هذه المنطقة لا يمكن اعتباره مجرد حادثة عسكرية أو واقعة جانبية خلال النزاع، بل يمثل نموذجاً خطيراً لانتهاك القواعد الأساسية الحاكمة للنزاعات المسلحة، واعتداءً مباشراً على حق المدنيين في الحياة والأمن.

رأيك
captcha