جشنواره فیلم فجر وضرورة إعادة قراءة موقعه التاريخي
تقرير خاص بوكالة برنا ـ القسم العربي: اختُتمت فعاليات الدورة الرابعة والأربعين من مهرجان فجر السينمائي؛ الحدث الذي تجاوز، على مدى أكثر من أربعة عقود، كونه مناسبة سنوية لعرض الأفلام، ليغدو جزءاً من البنية الذاكرية والثقافية للسينما في إيران. لم يكن فجر مجرد منصة للعرض، بل تحوّل إلى فضاء تُصاغ فيه المعايير، وتُثبَّت من خلاله القيم، وتتحدد عبره اتجاهات الحوار السينمائي في البلاد.
ومع إغلاق ملف هذه الدورة، تتاح الفرصة للنظر إلى المهرجان لا من زاوية النتائج فحسب، بل من خلال وظائفه الأعمق بوصفه مؤسسة ما زالت تحتل موقعاً محورياً في الثقافة المعاصرة.
التركيز بوصفه الوظيفة الجوهرية
أولى وأهم أدوار مهرجان فجر تتمثل في خلق حالة من التركيز داخل مشهد إنتاجي متشعّب. فعلى مدار العام تسير الأفلام في مسارات متفرقة، ولكل منها جمهوره الخاص، لكن المهرجان يجمع هذه التيارات ضمن إطار زماني ومكاني واحد، بما يتيح قراءتها ومقارنتها في لحظة مشتركة.
هذا التركيز لا يُعد إجراءً تنظيمياً فحسب، بل هو صياغة ثقافية متكاملة. فمن خلاله يمكن تلمّس الاتجاهات العامة للسينما الإيرانية، ورصد القضايا الأكثر حضوراً، والتعرّف إلى اللغات والأساليب التي تتقدم في المشهد. وبهذا المعنى، يسهم فجر في إنتاج وعي جماعي بحالة السينما.
تمثيل التعدد ومنطق التعايش
أظهرت الدورة الرابعة والأربعون مرة أخرى أن السينما الإيرانية ليست كتلة واحدة، بل طيف واسع من التجارب والأجيال والرؤى. حضور المخرجين المخضرمين إلى جانب الأسماء الجديدة، وتباين الأساليب السردية وتنوّع الموضوعات، كلها دلائل على حيوية هذا الحقل.
تكمن أهمية المهرجان هنا في قدرته على إتاحة المجال أمام هذا التعدد، لا إلغائه. فعندما يوفّر فجر مساحة لظهور هذه الأصوات المختلفة، فإنه يتحول إلى مرآة تعكس تعقيدات الواقع السينمائي كما هو.
التاريخ باعتباره رصيداً
أربعة عقود من الاستمرارية جعلت من مهرجان فجر مؤسسة ذات تاريخ متراكم. وهذا التاريخ لا يتمثل في الذكريات فحسب، بل في شبكة من الخبرات والمعايير والتوقعات التي تمنح كل دورة جديدة معناها. لذلك تُتابَع قرارات المهرجان بحساسية أكبر، ويحظى كل اختيار بصداه الواسع.
إن ارتفاع سقف التوقعات يمكن النظر إليه بوصفه علامة أهمية؛ فالأحداث المؤثرة وحدها هي التي تبقى موضع اهتمام ومطالبة دائمة. وهذه المتابعة تمثل رصيداً ثقافياً يتيح إمكان التطور المستمر.
حيوية تمتد إلى ما بعد الأيام الرسمية
بانتهاء البرامج المعلنة، لا تتوقف حياة المهرجان. فالأفلام تواصل حضورها في أذهان المشاهدين، وفي مقالات النقد والتحليل، بينما يستمر النقاش حول القيم الفنية والاتجاهات المستقبلية. هذا الامتداد يؤكد أن فجر ليس حدثاً زمنياً محدوداً، بل عنصراً فاعلاً في النسيج العميق للثقافة السينمائية.
وفي هذا السياق يمكن النظر إلى كل دورة بوصفها حلقة ضمن مسار طويل، تتعرّف من خلاله السينما الإيرانية إلى ذاتها، وتختبر تجاربها، وتستعد لما هو قادم.
*انتهى*