قراءة في آثار التدخلات العسكرية الأمريكية؛

من أفغانستان إلى العراق وليبيا؛ ماذا تكشف التجارب عن مآلات التدخل؟

|
۲۰۲۶/۰۲/۱۴
|
۱۴:۲۳:۰۲
| رمز الخبر: ۱۶۴۵
من أفغانستان إلى العراق وليبيا؛ ماذا تكشف التجارب عن مآلات التدخل؟
مع مراجعة تجارب التدخل العسكري الأمريكي في عدد من الدول، ولا سيما في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، يعود سؤال محوري إلى الواجهة: كيف تتعامل الدول والمجتمعات مع إرث التحولات السياسية والأمنية بعد توقف العمليات؟ إن الإجابة عن هذا السؤال باتت جزءاً أساسياً من فهم مستقبل المنطقة.

تقرير خاص بوكالة برنا ـ القسم العربي: خلال العقدين الماضيين، تحوّل الحضور العسكري الأمريكي في عدد من الدول إلى محطة مفصلية في تاريخها السياسي. وغالباً ما ارتبط هذا الحضور بأهداف معلنة تتصل بالأمن، ومكافحة التهديدات، ودعم مسارات سياسية جديدة أو منع تفاقم الأزمات الإنسانية. غير أن السنوات التي تلت انتهاء العمليات قدّمت صورة أكثر تعقيداً، وأظهرت أن التحدي الأكبر يبدأ عادة بعد توقف المعارك.

من هنا، انتقل النقاش من سؤال «التدخل» إلى سؤال «ما بعد التدخل»، أي إلى الكيفية التي يمكن بها إعادة بناء الدولة واستعادة التوازن الاجتماعي في بيئات شهدت تحولات عميقة وسريعة.

إنجازات سريعة… وتعقيدات ممتدة

في كثير من الحالات، تحققت الأهداف العسكرية المباشرة بوتيرة متسارعة. تغيّرت هياكل الحكم، وظهرت ترتيبات سياسية جديدة بدت في لحظتها مؤشراً على نجاح المهمة. إلا أن التجربة العملية أظهرت أن تثبيت هذه التحولات أصعب بكثير من إحداثها.

فبناء مؤسسات فعّالة، وترميم الثقة بين المجتمع والدولة، وإعادة تحريك الاقتصاد، كلها عمليات تحتاج إلى استقرار طويل الأمد. وكلما طال أمد الهشاشة، ازدادت احتمالات عودة الاضطراب بأشكال مختلفة.

فراغ السلطة وإعادة رسم الأدوار

عندما تتراجع المؤسسات القائمة أو تتفكك بسرعة، تبرز قوى جديدة تسعى إلى ملء المساحة. قد تكون هذه القوى سياسية أو عسكرية أو اجتماعية، لكنها في جميع الأحوال تعيد صياغة موازين النفوذ داخل الدولة.

وفي حال غياب إطار جامع ينظم هذا التنافس، تتجه الأوضاع نحو تعددية مراكز القرار، ما يجعل استعادة الاستقرار عملية أكثر تعقيداً، ويضع مسألة بناء توافق وطني في صدارة الأولويات.

المجتمع في قلب المعادلة

لا تتوقف آثار التحولات عند السياسة وحدها، بل تمتد بعمق إلى المجتمع. سنوات النزاع تُضعف البنية التحتية، وتقلّص الفرص الاقتصادية، وتدفع إلى موجات نزوح وتغيّرات ديموغرافية تترك آثاراً بعيدة المدى.

ومع انتهاء العمليات، تجد المجتمعات نفسها أمام مهمة شاقة تتمثل في التعافي وإعادة بناء رأس المال الاجتماعي، وهي عملية غالباً ما تستغرق زمناً أطول من زمن المواجهة العسكرية نفسها.

لماذا تبقى هذه الدروس مهمة؟

إعادة قراءة ما جرى في أفغانستان والعراق وليبيا لم تعد مجرد استعادة للتاريخ، بل أداة لفهم الخيارات المطروحة اليوم في الإقليم. فالتجارب المتراكمة تشير إلى أن نهاية العمل العسكري لا تعني بالضرورة نهاية الأزمة، بل قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعقيد تتطلب حلولاً سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن الاستقرار الدائم يرتبط قبل كل شيء بقدرة الدول على تفعيل مواردها الداخلية وتعزيز مؤسساتها الوطنية، باعتبار ذلك الأساس لأي تسوية قابلة للاستمرار.

رأيك